فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 151

ها هي ذكرى الاسراء والمعراج تطل علينا من جديد حاملة بين جوانحها دروسا حكيمة وعظات رشيدة, ترتفع بها عن كونها مجرد رحلة انتقل بها رسول من رسل الله انتقالا غير مألوف للناس من مكان الى مكان في فترة زمنية محودة الى كونها حادثا جليلا ورحلة كونية عظيمة, تتجاوز بآثارها ومعانيها حدود زمانها ومكانها, وتمتد في حياة البشرية عبر تلاحق أجيالها كاشفة عما أودع الله فيها من أسرار وحقائق تحدث في واقع الأمة الاسلامية انفعالا متجددا كلما قرع حادث الاسراء والمعراج أسماعها, وعبر بذكراه آفاق وجودها.

أيها الاخوة المؤمنون:

لقد جاء حادث الاسراء والمعراج لمسة الاهية حانية على قلب رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بعد مرحلة عناء مريرة مرّ بها في طريق دعوته الى الله, حيث تنكّر له زعماء الشرك, ووقفوا في وجه دعوته, يسفهونه ويؤذونه, وما يوم الطائف بسر, حيث ابتدر القوم اليه يسلطون عليه غلمانهم وسفهاءهم, يضربونه بالحجارة, ويسيئون اليه ما استطاعوا, حتى توارى عن الناس في أحد البساتين, فكانت الدماء تسيل من قدميه, وقد أنهكه التعب ومعه غلامه زيد بن حارثة, يذود عنه, ويدافع ما استطاع, وفي غمرة ذلك الارهاق والشدة انطلق من أعماقه ذلك ال\عاء الرتيب الذي ينم عن ايمان كبير وعقيدة راسخة ورضى عن الله وتسليم:"اللهم اليك أشكو ضعف قوتي, وقلة حيلتي وهواني على الناس, أنت رب العالمين, وأنت ربي الى من تكلني؟ الى بعيد يتجهمني أم الى عدو ملّكته أمري؟ ان لم يكن بك غضب علي فلا أبالي, غير أن عافيتك أوسع لي, أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات, وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك, أو يحل علي سخطك, لك العتبى حتى ترضى, ولا حول ولا قوة الا بالله".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت