فتحس, أخي المسلم, وكأن كل ذرة من ذرات أبدانهم وكل خفقة من خفقات قلوبهم وكل دمعة تسيل من عيونهم قد أصبحت لسانا ينطق وفما يتكلم, فيقول: ( يا الله يا رب العالمين يا مجيب السائلين يا قابل التائبين) , فتتبدّل أحوال العباد في ذلك الموقف العظيم والمشهد الرحيم الذي تتدفق فيه أنوار الهداية, وتتنزل فيه شآبيب الرحمة, ويزخر بالعفو والرضوان, حيث يفيض غيثا من الواحد الديّان الذي ينظر الى عباده المؤمنين, وهم يقفون في عرفات متجرّدين من مظاهر الدنيا ورفاهية الحياة, لا يبالون بشدّة الحر ولا بوعثاء الوقوف صغارا وكبارا, رجالا ونساء, ضعفاء وأقوياء, شيوخا وشبانا, الجميع على صعيد واحد وقفوا يسألون الله سبحانه, وقد تصاعدت أصواتهم, وارتفع بكاؤهم, وزاد نحيبهم, وتسامى دعاؤهم, فيتجلى الله برحمته وعفوه ورضوانه عليهم, وقد أشرقت في آفاق الموقف أنوار قوله الكريم: { ورحمتي وسعت كل شيء , فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} .
فينظر الله تعالى الى حشد عباده وتضرّعهم وابتهالهم, ويسمع بكاءهم ودعاءهم ورجاءهم, فيخاطب ملائكته كما قال عليه الصلاة والسلام:"ان الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء, فيقول لهم: انظروا الى عبادي جاؤون شعثا غبرا اشهدوا أني قد غفرت لهم."