فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 159

الآية نزلت قبل أن يخلق الحرورية أصلًا, وذلك منه رضي الله عنه استدلال بمانزل في الأكبر على الأصغر, بجامع بعض المعنى.

وهذا الوجه من الاستدلال بما نزل في الأكبر على الأصغر بجامع اشتراكهما في أصل المعنى شائع مستفيض في فقه القرون المفضلة, ومن طالع التفاسير الأثرية المعنية بنقل تأويل النبي وأصحابه والتابعين رأى كثرة ما فيها من هذا الضرب من الاستدلال.

وكثير من الكتاب اليوم يظنون أن"النفاق"الذي تحدث الله عنه في القرآن وأسهب في تصويره إنما هو النفاق المحض الذي هو إبطان الكفر وإظهار الإسلام, وتبعًا لذلك يستبعدون وجوده ويستعظمون استحضار هذا المصطلح الشرعي, ويهولون على من ينبس به.

والواقع أن النفاق ليس محصورًا في النفاق المحض, فإن النفاق المحض الخالص قليل في المسلمين اليوم ولله الحمد, حتى أن حذيفة -وهو أعلم الصحابة بأسرار النفاق- قال كما روى البخاري في الصحيح عنه: (إنما كان النفاق على عهد النبي صلى الله عليه وسلم, فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان) .

ولكن هناك ما هو غير النفاق المحض وهو أن يقع الإنسان في"شعبة"من شعب النفاق -نسأل الله السلامة والعافية- فربما تجارت بالإنسان فأهلكته وربما أدركه لطف الله جل وعلا.

ولذلك روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شعب النفاق العملي (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا, ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه"شعبة من النفاق"حتى يدعها .. الحديث)

وشعب النفاق تكون في الوقوع في عمل من أعمال المنافقين, كما قال صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على"شعبة من نفاق")

ولذلك فرق الله في القرآن كثيرًا بين اسم"المنافق المطلق"وبين المسلم الذي"في قلبه مرض"أي شعبة من النفاق, وعطفهم على بعضهم في كثير من المواضع مبينًا اشتراكهم في بعض شعب النفاق, كما قال تعالى:

{إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ}

وقال تعالى أيضا:

{لئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ .. الآية}

وقد علق الإمام ابن كثير على الآية الأولى وهي قول المنافقين ومن فيهم شعبة نفاق حين ادلهمت الأزمة الأمنية:"ماوعدنا الله ورسوله إلا غرورا"تعليقًا مشبعًا بالبلاغة حيث قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت