المعلم حين يحرم تلاميذه بعض حقوقهم، فلا يحسن إعداد نفسه علمًا وصنعة، ولا يخلص في تعليمهم، يحمل بعضهم على أن يختلس العلم، أو يسرقه عند اختباره، فتُخَرقُ السفينة.
ولي الأمر الأعلى حيث يحرم شعبه حقه عليه، في أن يحكمهم بما شرع خالقهم، لا بما شرعه هو، وبطانته، يحملُ شعبه أو بعضه على أن يخرق السفينة خرقًا لا يكاد يصلح: يسقط حبه وهيبته والثقة فيه من نفوسهم، وتمتلئ القلوب والعقول كرهًا وادعاء خيانة، فيسهل على الدهماء الخروج عليه، فيفسدون في الأرض، فتُخرَقُ السفينة. والمسؤول عن ذلك هو ولي الأمر وبطانته، إذ منع شعبه حقه 00 وإذا ما كان الدال على الخير كفاعله فإن الحامل لغيره على الشر كفاعله 00 وما خرجت أمة قط على إمام عدل، فالعدل أساس الملك، ولا يكون عدل البتة إذا لم يك وفقًا لما أنزل الله عز وجل.
إن الحكمة لتقتضي بأن ليس الصلاح أن لا تفعل الشر، بل وألا تحمل الآخرين عليه، بل وأن تعينهم على الاعتصام من التردي في خباله.
والرسول صلى الله عليه وسلم يصور لنا حال الأسفلين في السفينة بين شقي الرحى: حاجتهم إلى الماء، وهو ضرورة الضرورات، وتأذي الآخرين من المرور عليهم.
فإذا بالبصائر تغشى فلا تقدر الأمور قدرها، ولا تتفرس في الواقعات عواقبها، فينظرون في أخف الضررين فيحتملونه.
وقد كشف لنا النبي صلى الله عليه وسلم ما هو غالب على الدهماء حينذاك: الافتتان بحق الملكية والحرية الشخصية، التي يظن أنها المطلقة اليد، تفعل فيما تملك ما تشاء، فيرين على الألباب، ما يطمس نورها، فتهتف الضلالة فيهم: (( لو خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا ) ).
كلمات تقال، تحمل في ظواهرها طيب المقاصد، وحسن الدوافع (في نصيبنا) (لم نؤذ من فوقنا) كلما فاتنة، تلقي بالغشاوة على البصائر فلا تنفذ في عقبى الأشياء، ولكن من تحت تلك الكلمات الطامة، التي لا تبقي ولا تذر.
كلمات هي أصل الداء، وجرثومة الفساد، في كثير من الحياة. كلمات يغشى بريقها البصائر فلا تفقه كنهها، ولا يفقه قائلوها فلسفة الامتلاك في الإسلام: ليس المرء بمطلق اليد فيما يملك بفضل الله تعالى. ثم يزعم أنه يفعلها لكيلا يؤذي غيره، وهو في حقيقة فعله لا يؤذي فحسب، بل هو يدمر ويمحق.
حين يستقيم تصور الإنسان حقائق الامتلاك في الإسلام، تستقيم حركته وسلوكه فيما يملك، فيعلم أن لحرية التصرف فيما ملكه الله تعالى، حدًا يقف عنده، لا يتعداه، لأن في تعديه ضربًا من الاعتداء على الآخرين.
عن سمرة بن جندب أنه كانت له عضدُُ من نخله في حائط رجلٍ من الأنصار، قال ومع الرجل أهله. قال فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به ويشق عليه، فطلب إليه أن يبيعه، فأبى، فطلب