مع قوله في رواية أخرى: (( وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) )، أي وليس وراء هذا التكليف من تكاليف الإيمان حبة خردل، فهو أخفها وأيسرها.
وعلى هذا لا يكون قوله: (وذلك أضعف الإيمان) وصفًا بالضعف لإيمان من عجز عن التغيير اليدوي أو اللساني، ولكنه قام بحق التغيير القلبي، بل هو وصف بالضعف واليسر، لما كلف به من عجز به، من عجز عن التغيير اليدوي واللساني، أي ما كلف به من تكاليف الإيمان ضعيف يسير، لا يعجز عنه أحدُُ أبدًا.
لأن من عجز عن التكليف الأعلى، وقام بحق التكليف الأدنى، لا يوصف إيمانه بأنه ضعيف، بل إيمانه قوي. فمن عجز عن الصلاة قائمًا وصلى جالسًا صلاة تامة، لا يوصف إيمانه بالضعف، بل يوصف ما كلف به بأنه أيسر مما كلف به غيره وأضعف ثقلًا 00 فالإيمان لا يوصف بالضعف، إلا إيمان من ترك ما هو قادر عليه، وأما من عجز عن أمر، وقام بحق ما استطاعه، فإنه لا يوصف إيمانه بضعف، وإن وصفت تكاليف ما قدر عليه بأنها أضعف من تكاليف ما عجز عنه.
ويذهب جماعة إلى أن هذا وصفُُ لثمرة هذا التغيير القلبي، فقوله: (أضعف الإيمان) أي أقله ثمرة (55) ، وهو مقبول، إذا ما ناظرنا ثمرة التغيير القلبي بثمرة التغيير اليدوي واللساني من وجه، وإن كانت ثمرة هذا التغيير القلبي قد تكون مع بعض المنكرات أعظم أثرًا من غيرها، ولذلك فعلها النبي صلى الله عليه وسلم مع الذين تخلفوا عن غزوة العسرة.
المعنى الذي أذهب إليه: إنه وصف لتكاليف التغيير القلبي، وليس وصفًا لثمرته أو وصفًا لإيمان فاعله القائم بحقه، العاجز عن التغيير اليدوي واللساني.
والتغيير القلبي للمنكرات على النحو الذي كشفنا عن حقيقته: كُرهُُ قلبي، تصاحبه استجابة سلوكية لمقتضياته، إنما هو فرض عين على كل مسلم ذكرًا أو أنثى أيًا كان وضعه في العلم والجهل، والغنى والفقر، الصحة والمرض، فهو لا يسقط عن أحد مادام مكلفًا.
وهو ملازم لما هو أعلى منه تكليفًا، فمن استطاع التغيير اليدوي لزمه معه أيضًا التغيير القلبي، وكذلك مستطيع التغيير اللساني يلزمه التغيير القلبي على النحو الذي شرحناه.
وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ التارك للمنكرات فعلًا وقولًا لكنه يخالط أهلها، وغير غاضب لله عز وجل بشأنها، إنما هو من أهل المنكرات أيضًا، لا يقل عنهم شناعة إثم واستحقاق عقوبة.
(( عن جابرٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أوحى الله عز وجل إلى جبريل ـ عليه السلام ـ أن اقلب مدينة كذا وكذا بأهلها، قال: يا ربّ إن فيهم عبدك فلانًا لم يعصك طرفة عين، قال، فقال: اقلبها عليه وعليهم، فإنَّ وجهه لم يتمعَّر فيَّ ساعة قطَّ ) ) (56) .
والناظر في حال كثير من الناس، يرى تخليًا عن جميع مراتب تغيير المنكر وسبله: التغيير اليدوي، واللساني، والقلبي، ولا يعين أحدًا على شيء من ذلك التغيير. بل ترى كثيرًا من العامة يبتهجون بمعرفة وصحبة المتمرسين بالمنكرات، ويفتخرون بمعرفتهم أو مشاهدتهم ومصافحتهم