التغيير لمنكر رآه، فإن كان مميزًا عارفًا بالمنكر قادرًا على تغييره صحَّ له أن يغيره، ولا يجوز منعه من ذلك
كما لا يجوز حمله على التغيير، إلاّ على سبيل تدريبه على الطاعات من قبل وجوبها عليه، على أن يكون ذلك تحت إمرة وليه.
أن يكون مسلمًا، فإنَّ أي عبادة لا تقبل بغير إسلام، ولا تفرض من قبل الدخول فيه، فلا يتصور أن تفرض على غير المسلم، أن يغير ما تنكره شريعة هو لا يؤمن بها، وإن كان ذلك منكرًا في شريعته، التي يؤمن بها أيضًا، فنحن غير مكلفين بحمل غير المسلمين على التمسك بشرائع عباداتهم، التي يتفق بعضها مع بعض ما في الإسلام، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يحمل يهود المدينة على ترك الربا، وهو المحرم في توراة موسى عليه السلام، مثلما هو محرم في الإسلام، إلا إذا تحاكموا إلى المسلمين، فيحملون على حكم الإسلام وحده، لأنهم تحاكموا إليه طواعية.
فإذا أعان غير المسلم على تغيير المنكر، أثيب على إعانته تلك، بما يليق بها من نعم الدنيا، ولا يصح منعه من أن يعين على ذلك إلاّ إذا خرق شروط التغيير وآدابه.
ولا يشترط مع الإسلام العدالة، فكل مسلم يجب عليه تغيير المنكر على الوجه الذي هو أهل له، وليس بلازم أن يكون غير مرتكب للمنكرات. ذلك ما عليه أهل العلم (28) فإن للفاسق بل عليه أن يغير المنكر، إلاّ إذا كان لا يقيم الصلوات المكتوبات استهانة أو استهزاء أو إنكارًا لفرضيتها، فإنه يكون بذلك غير مسلم البتة، بل هو مرتد، وهو أدنى منزلة من أهل الكتاب، فإن استتيب وتاب والتزم، وجبت إعانته وإكرامه وتأليف قلبه.
أما إن كان فاسقًا يؤدي الصلاة أو يتركها كسلًا لا استهانة ـ عند بعض أهل العلم ـ فإنه لا يُسقط عنه فريضة تغيير المنكر بسقوطه هو فيه، فإن الفسق لا يرفع التكليف، مثلما ترفعه الردّة، وهذا الفاسق يكون على أحد أمرين:
-أن يكو مرتكبًا منكرًا غير الذي يراه من غيره.
-أن يكون مرتكبًا منكرًا من جنس ما يراه من غيره.
إن كان الأول، فإن تغيير منكر غيره فرض عليه، ما تحققت فيه بقية شرائط التغيير. فلا يتأثر بوقوعه هو في منكر آخر، فالواقع في منكر الغيبة مثلًا، عليه أن يغير منكر سرقة واقع من غيره. فإِننا لو اشترطنا أن يكون القائم بالتغيير خاليًا من كل منكر، فإنا نكاد لا نجد من يتحقق في ذلك، ولا سيما في عصرنا والعصور القادمة.
يقول سعيد بن جبير: (( إن لم يأمر بمعروف ولم ينه عن المنكر، إلاّ من لا يكون فيه شيء، لم يأمر أحد بشيء ) )فأعجب مالكًا ذلك من سعيد بن جبير )) (29) .
وإن كان الآخر أي المغيِّر، واقعًا في منكر من جنس ما يراه من غيره، فإن له حالين: أن يكون غيره عليمًا بوقوعه فيه أو لا يكون.