الصفحة 17 من 58

فلا يمنعه ذلك، أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض )) ، ثم قال: (( لُعِنَ الَّذين كفرُوا من بني إسرائيل على لِسَان داود وعيسى بن مَرْيَم َ) إلى قوله (فاسِقُون) (36) ثم قال: كلا، والله، لتأمُرُنَّ بالمعروف، ولتنهونَّ عن المنكر، ولتأخُذُنَّ على يدي الظالم، ولتأطرنَّه على الحق أطرًا، ولتقصرُنَّه على الحق قصرًا )).

وفي رواية زاد: (( أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعضٍ ثم ليلعَننّكم كما لعنهم ) ) (37) .

(( عن جابر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أوحى الله عز وجل ـ إلى جبريل ـ عليه السلام ـ أن أقلب مدينة كذا وكذا بأهلها، فقال: يا رب إنَّ فيهم عبدك فلانًا لم يعصك طرفة عين.

قال: فقال: اقلبها عليه فإن وجهه لم يتمعَّر فيّ ساعةً قطُّ )) (38) .

وفي هذا دلالة باهرة على أن الاكتفاء بالصلاح الذاتي والاعتصام من مشاركة المفسدين إفسادهم، لا يقي المرء من الهلاك إلا إذا جمع إليه تغيير المنكر الواقع ممن حوله، بكل ما يمكن تغييره به فله النّجاءُ.

(( عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( يا معشر المهاجرين، خمسُُ إذا ابتليتم بهن ـ وأعوذ بالله أن تدركوهن:

لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا، بها إلاّ فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلاّ أُخذوا بالسنين، وشدة المؤونة، وجور السلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلا سلَّط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله، إلاّ جعل الله بأسهم بينهم )) (39) .

هذه المهلكات الخمس، هي فينا شاخصة، تكاد تراها حيث وقع بصرك.

وإن من عهد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الأخذ على أيدي الظالمين والمفسدين في الأرض، والمرجفين في المدينة، فإن لم نفعل سلَّط الله علينا عدوًا من غيرنا وقد فعل، فأسامنا ذُلاَّ لم تشهد الأمة مثله منذ كانت.

إن تغيير المنكر، والأخذ على يد الظالم، وردع المفسدين، هي الفريضة الموءودة في أمتنا.

ولن تستقيم حياة أمة بغير القيام بها قيامًا ناصحًا، فالتغيير ضرورة حياة، وهو في الإسلام لا يبتغى به إلى عرض من أعراض الحياة الدنيا.

إن غاية تغيير المنكر، تحقيق الوجود المتمكن للأمة المسلمة، لتأخذ بيد الحياة كلها إلى ما فيه خير الإنسان والوجود كله على هذه الأرض، فيعم السلام والخير تحت راية الإسلام الذي ارتضاه الله ـ تعالى ـ للعالمين دينًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت