[الأنعام/87-88] ، وَقَالَ: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (65) سورة الزمر، مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } (1)
(1) - وفي الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 1520)
وفي قوله تعالى: { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } ردّ على الخوارج؛ حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر . وقد تقدّم القول في هذا المعنى . وروى الترمذِيّ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ما في القرآن آية أحبّ إليّ من هذه الآية: { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ } ( قال ) : هذا حديث غريب . قال ابن فُورَك: وأجمع أصحابنا على أنه لا تخليد إلا للكافر ، وأن الفاسق من أهل القبلة إذا مات غير تائب فإنه إن عُذب بالنار فلا مَحالة أنه يخرج منها بشفاعة الرسول؛ أو بابتداء رحمةٍ من الله تعالى . وقال الضحاك: إن شيخًا من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ، إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا ، إلا أني لم أُشرِك بالله شيئًا منذ عرفته وآمنت به ، فما حالي عند الله؟ فأنزل الله تعالى: { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ } .
وفي تفسير الرازي - (ج 5 / ص 227)
وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: هذه الآية دالة على أن اليهودي يسمى مشركا في عرف الشرع ، ويدل عليه وجهان: الأول: أن الآية دالة على أن ما سوى الشرك مغفور ، فلو كانت اليهودية مغايرة للشرك لوجب أن تكون مغفورة بحكم هذه الآية ، وبالاجماع هي غير مغفورة ، فدل على أنها داخلة تحت اسم الشرك . الثاني: أن اتصال هذه الآية بما قبلها إنما كان لأنها تتضمن تهديد اليهود ، فلولا أن اليهودية داخلة تحت اسم الشرك ، وإلا لم يكن الأمر كذلك .
فان قيل: قوله تعالى: { إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ } [ الحج: 17 ] إلى قوله: { والذين أَشْرَكُواْ } [ الحج: 17 ] عطف المشرك على اليهودي ، وذلك يقتضي المغايرة .
قلنا: المغايرة حاصلة بسبب المفهوم اللغوي ، والاتحاد حاصل بسبب المفهوم الشرعي ، ولا بد من المصير إلى ما ذكرناه دفعا للتناقض . إذا ثبتت هذه المقدمة فنقول: قال الشافعي رضي الله عنه: المسلم لا يقتل بالذمي ، وقال أبو حنيفة: يقتل . حجة الشافعي أن الذمي مشرك لما ذكرناه ، والمشرك مباح الدم لقوله تعالى: اقتلوا المشركين . فكان الذمي مباح الدم على الوجه الذي ذكرناه ومباح الدم هو الذي لا يجب القصاص على قاتله ، ولا يتوجه النهي عن قتله ترك العمل بهذا الدليل في حق النهي ، فوجب أن يبقى معمولا به في سقوط القصاص عن قاتله .
المسألة الثانية: هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على العفو عن أصحاب الكبائر .
واعلم أن الاستدلال بها من وجوه:
الوجه الأول: أن قوله: { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } معناه لا يغفر الشرك على سبيل التفضل لأنه بالاجماع لا يغفر على سبيل الوجوب ، وذلك عندما يتوب المشرك عن شركه ، فاذا كان قوله: إن الله لا يغفر الشرك هو أنه لا يغفره على سبيل التفضل ، وجب أن يكون قوله: { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ } هو أن يغفره على سبيل التفضل؛ حتى يكون النفي والاثبات متواردين على معنى واحد . ألا ترى أنه لو قال: فلان لا يعطي أحدا تفضلا ، ويعطي زائدا فانه يفهم منه أنه يعطيه تفضلا ، حتى لو صرح وقال: لا يعطي أحدا شيئًا على سبيل التفضل ويعطي أزيد على سبيل الوجوب ، فكل عاقل يحكم بركاكة هذا الكلام ، فثبت أن قوله: { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } على سبيل التفضل . إذا ثبت هذا فنقول: وجب أن يكون المراد منه أصحاب الكبائر قبل التوبة ، لأن عند المعتزلة غفران الصغيرة وغفران الكبيرة بعد التوبة واجب عقلا ، فلا يمكن حمل الآية عليه ، فاذا تقرر ذلك لم يبق إلا حمل الآية على غفران الكبيرة قبل التوبة وهو المطلوب . الثاني: أنه تعالى قسم المنهيات على قسمين: الشرك وما سوى الشرك ، ثم إن ما سوى الشرك يدخل فيه الكبيرة قبل التوبة ، والكبيرة بعد التوبة والصغيرة ، ثم حكم على الشرك بأنه غير مغفور قطعا ، وعلى ما سواه بأنه مغفور قطعا ، لكن في حق من يشاء ، فصار تقدير الآية أنه تعالى يغفر كل ما سوى الشرك ، لكن في حق من شاء . ولما دلت الآية على أن كل ما سوى الشرك مغفور ، وجب أن تكون الكبيرة قبل التوبة أيضًا مغفورة . الثالث: أنه تعالى قال: { لِمَن يَشَاء } فعلق هذا الغفران بالمشيئة ، وغفران الكبيرة بعد التوبة وغفران الصغيرة مقطوع به ، وغير معلق على المشيئة ، فوجب أن يكون الغفران المذكور في هذه الآية هو غفران الكبيرة قبل التوبة وهو المطلوب ، واعترضوا على هذا الوجه الأخير بأن تعليق الأمر بالمشيئة لا ينافي وجوبه ، ألا ترى أنه تعالى قال بعد هذه الآية: { بَلِ الله يُزَكّى مَن يَشَاء } [ النساء: 49 ] ثم إنا نعلم أنه تعالى لا يزكي إلا من كان أهلا للتزكية ، وإلا كان كذبًا ، والكذب على الله محال ، فكذا ههنا .
واعلم أنه ليس للمعتزلة على هذه الوجوه كلام يلتفت إليه إلا المعارضة بعمومات الوعيد ، ونحن نعارضها بعمومات الوعد ، والكلام فيه على الاستقصاء مذكور في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: { بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } [ البقرة: 81 ] فلا فائدة في الاعادة . وروى الواحدي في البسيط باسناده عن ابن عمر قال: كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار ، حتى نزلت هذه الآية فأمسكنا عن الشهادات . وقال ابن عباس: إني لأرجو كما لا ينفع مع الشرك عمل ، كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب . ذكر ذلك عند عمر بن الخطاب فسكت عمر . وروي مرفوعا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « اتسموا بالايمان وأقربوا به فكما لا يخرج إحسان المشرك المشرك من إشراكه كذلك لا تخرج ذنوب المؤمن المؤمن من إيمانه » . المسألة الثانية: روي عن ابن عباس انه قال: لما قتل وحشي حمزة يوم أحد ، وكانوا قد وعدوه بالاعتاق ان هو فعل ذلك ، ثم أنهم ما وفوا له بذلك ، فعند ذلك ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذنبهم ، وانه لا يمنعهم عن الدخول في الاسلام إلا قوله تعالى: { والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها ءاخَرَ } [ الفرقان: 68 ] فقالوا: قد ارتكبنا كل ما في الآية ، فنزل قوله: { إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالحا } [ الفرقان: 70 ] فقالوا: هذا شرط شديد نخاف أن لا نقوم به ، فنزل قوله: { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } فقالوا: نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته ، فنزل { قُلْ ياعِبَادِى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ } [ الزمر: 53 ] فدخلوا عند ذلك في الاسلام . وطعن القاضي في هذه الرواية وقال: ان من يريد الايمان لا يجوز منه المراجعة على هذا الحد؛ ولأن قوله: { إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعًا } [ الزمر: 53 ] لو كان على اطلاقه لكان ذلك اغراء لهم بالثبات على ما هم عليه .
والجواب عنه: لا يبعد أن يقال: انهم استعظموا قتل حمزة وايذاء الرسول إلى ذلك الحد ، فوقعت الشبهة في قلوبهم أن ذلك هل يغفر لهم أم لا ، فلهذا المعنى حصلت المراجعة . وقوله: هذا إغراء بالقبيح ، فهو انه إنما يتم على مذهبه ، أما على قولنا: انه تعالى فعال لما يريد ، فالسؤال ساقط ، والله أعلم .
ثم قال: { وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْمًا عَظِيمًا } أي اختلق ذنبا غير مغفور ، يقال: افترى فلان الكذب إذا اعتمله واختلقه ، وأصله من الفرى بمعنى القطع
في ظلال القرآن - (ج 2 / ص 240)
والشرك بالله - كما أسلفنا في هذا الجزء عند تفسير مثل هذه الآية من قبل - يتحقق باتخاذ آلهة مع الله اتخاذًا صريحًا على طريقة الجاهلية العربية وغيرها من الجاهليات القديمة - كما يتحقق بعدم إفراد الله بخصائص الألوهية؛ والاعتراف لبعض البشر بهذه الخصائص . كإشراك اليهود والنصارى الذي حكاه القرآن من أنهم { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله } ولم يكونوا عبدوهم مع الله . ولكن كانوا فقط اعترفوا لهم بحق التشريع لهم من دون الله . فحرموا عليهم وأحلوا لهم . فاتبعوهم في هذا .
ومنحوهم خاصية من خصائص الألوهية! فحق عليهم وصف الشرك . وقيل عنهم إنهم خالفوا ما أمروا به من التوحيد { وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا } فيقيموا له وحده الشعائر ، ويتلقوا منه وحده الشرائع والأوامر .
ولا غفران لذنب الشرك - متى مات صاحبه عليه - بينما باب المغفرة مفتوح لكل ذنب سواه . . عندما يشاء الله . . والسبب في تعظيم جريمة الشرك ، وخروجها من دائرة المغفرة ، أن من يشرك بالله يخرج عن حدود الخير والصلاح تمامًا؛ وتفسد كل فطرته بحيث لا تصلح أبدًا: { ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالًا بعيدًا } . .
ولو بقي خيط واحد صالح من خيوط الفطرة لشده إلى الشعور بوحدانية ربه؛ ولو قبل الموت بساعة . . فأما وقد غرغر - وهو على الشرك - فقد انتهى أمره وحق عليه القول: { ونصله جهنم وساءت مصيرًا! } .