و هذه شهادة من الطبيب جالينوس أوردها ابن رشد نفسه، فمن الموجد لعلم الطب و المُبدع له عند اليونان؟،و من هو الأستاذ أهو أبقراط أم أرسطو؟،و من هو التلميذ أهو أبقراط ام أرسطو؟، و من له الفضل الأكبر في علم الطب أهو أبقراط أم أرسطو؟،و مع أن الإجابة واضحة لا لُبس فيها، بأن أبقراط هو الموجد و الأستاذ و صاحب الفضل الأكبر، فإن ابن رشد أورد تلك الشهادة في بعض رسائله الطبية، و سكت عنها و لم يعلّق عليها، و هي تنقض زعمه بأن أرسطو مُوجد الحكمة و متممها، و تشهد أيضا على أنه تعمد إخفاء ذلك عندما زعم ذلك الزعم الطويل و العريض.
و أما أفلاطون فإن أرسطو تأثر به كثيرا في مختلف جوانب فلسفته، فأخذ منه أفكارا جاهزة، و أخرى عدّل بعضها، و أخرى أظهر مُخالفته الشكلية له و أخذ بحقيقتها. فمن ذلك أنه تأثر به في القول بالمحرك الذي لا يتحرك، و الغائية التي تحكم الطبيعة، و في الآثار العلوية، و القول بالكواكب ذات النفوس الأزلية الخالدة، و ذات الطبيعة الإلهية. و تأثر به أيضا في المنطق، و العقل الكلي ذي الطابع الإلهي، و قوله بالجواهر الخالدة، و أخذ معظم فكره السياسي من أفلاطون من دون جديد يُذكر في الغالب الأعم، و وافقه في رفض نظامي الطغيان و الديمقراطي [1] . الأمر الذي جعل الباحث جورج طرابيشي يقول: إن أرسطو مع أستاذه أفلاطون ينطبق عليه ما قاله القاضي أبو بكر بن العربي عن شيخه أبي حامد الغزالي في تأثره بالفلاسفة و عدم قدرته من التخلّص من تأثيراتهم فيه، فذلك ينطبق أيضا على أرسطو فإنه ابتلع معلمه (( أفلاطون، ثم لما أراد أن يتقيأه ما استطاع ) ) [2] . لذا يمكننا أن نقول: إن أرسطو-في حقيقته- نُسخة عن أستاذه في معظم فلسفته، لكنها مُحسنة و مُعدلة في بعض جوانبها.
و بناء على ما ذكرناه، فإنه يتبين جليا أن مقولة ابن رشد بأن أرسطو هو موجد الفلسفة و مُتممها، و أنه أعطى لأهل العلم أكثر مما أخذ منهم، هي مقولة لا تصح، و مُخالفة للحقائق التاريخية، و عكسها هو الصحيح. و نحن لا نقزّم أرسطو و لا نعظّمه كما عظّمه ابن رشد إلى حد الغلو، فحوّل الحبة الصغيرة إلى قبة كبيرة جدا. فالرجل -أي أرسطو- عاش في زمن ازدهار الفكر اليوناني و نضوجه، و وجده جاهزا فأخذ منه ما يُناسبه من دون أي إيجاد و لا إبداع لأصول فكره و منهجه الفلسفي، و كانت له تحسينات و اجتهادات و إضافات لا تكفي لرفعه إلى ما رفعه إليه ابن رشد و أصحابه.
(1) لا نوثق ما سبق توثيقه من الأفكار، و إنما نوثق ما لم يُثق منها. أميرة مطر: الفلسفة اليونانية، ص: 148، 184، 185، 186، 191، 192، 484.و نور الدين حاطوم و آخرون: موجز تاريخ الحضارة، ص: 436. و مصطفى النشار: نظرية المعرفة، ص: 131. و عبد الرحمن بيصار: الفلسفة اليونانية، ص: 104 و ما بعدها، 110، 140.و تأملات في الفلسفة الحديثة و المعاصرة، ص: 186. و علي أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي، ص: 182، 234، 240. و جورج طرابيشي: وحدة العقل العربي، ص: 92.
(2) جورج طرابيشي: نفس المرجع، ص: 90