فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 232

و قوله هذا تفسير خيالي لا يصح شرعا و لا علما، و قد سبق أن بينا أن الشمس و النجوم مُلتهبة من ذاتها، و هي التي تُولد الحرارة و الضوء، و ليس كما زعم أرسطو و ابن رشد [1] . لكن الذي يهمنا هنا هو خطأ طريقة أرسطو في الاستدلال العلمي، فهو تكلم في أمر غيبي بعيد عنه، ولا يمكنه إدراكه، و اتخذ منه موقفا نهائيا بلا برهان و لا دليل ثابت، و نسي أنه خاض فيه بالظن و التخمين و الترجيح و الاحتمال!!. فأين حكاية البرهان و اليقين؟؟.

و أما الشاهد السابع فيتضمن طائفة من أخطاء أرسطو تتعلق بالكائنات الحية، نذكرها كأمثلة و أدلة دامغة نُثبت- من خلالها- أن أرسطو لم يكن يلتزم بالبرهان و المشاهدة و اليقين في أبحاثه الفلسفية، فكان كثيرا ما يعتمد على الظن و التخمين، و الاحتمال و الأخبار الضعيفة من جهة، و نٌبيّن أيضا بطلان دعوى ابن رشد برهانية الفلسفة الأرسطية و يقينيتها من جهة أخرى.

أولها-أي الشواهد- إن أرسطو طن أن رقبة الأسد مُكوّنة من قطعة واحدة، فلا يستطيع تحريكها كيف يشاء [2] . و ظنه هذا غير صحيح، لأن رقبة الأسد مُكونة من عدة فقرات، و ليست من فقرة واحدة [3] .و هذا يعني أن أرسطو لم ير رقبة الأسد و لم يفحصها، و إنما قال ذلك على الظن و الاحتمال. فأين الاحتكام إلى البرهان القائم على التجربة و المشاهدة الدقيقة؟. علما بأن المُشاهد للأسد عندما يكون في حالة مُطاردة و صراع و افتراس لفريسته يتبين له أن رقبة الأسد مكونة من عدة فقرات، لأنه كثير الحركة لرأسه و رقبته، فلو كانت رقبته فقرة واحد لصعب عليه ذلك أو لتعذر ذلك أصلا. فالأمر عكس ما قاله أرسطو، الذي -ربما- لم ير الأسد، أو لم يتحقق جيدا من ملاحظته، أو لم يسأل العارفين بحياة الأسد و طباعه.

و المثال الثاني مفاده أن أرسطو زعم أن المرارة فضلة في الإنسان، فقال: (( و لكن يشبه أن تكون المرة-أي المرارة- مثل سائر الجسد، و ليس لحال شيء آخر مثل الثفل [4] الذي يجتمع في البطن و المعي ) ). و قال أيضا: (( فهو بيّن من الحجج التي احتججنا أن خلقة المرة ليست لحال شيء، بل هي فضلة ) ), و كرر أنها فضلة في أكثر من موضع [5] .

و قال أيضا: (( و أنا أظن أن أصحاب أنكساغورس -فيلسوف يوناني- مُخطئون في قولهم في المرة، حيث زعموا أن تكون علة الأمراض الحادة، لأنها إذا كثُرت سالت إلى الرئة و الأضلاع و

(1) أنظر الفصل الرابع.

(2) أرسطو: كتاب طبائع الحيوان البري و البحري، المقالة الرابعة عشر، حققته عزة محمد سالم، الهيئة المصيرة العامة للكتاب، القاهرة، 1985،مقدمة المحقق، ص: 14.

(3) الموسوعة العربية العلمية، مادة: أسد، موقع: موسوعة نت، على الشبكة المعلوماتية.

(4) هو ما سَفُل و استقر تحت الشيء من كدرة. الفيروز أبادي: القاموس المحيط، ص: 1256.

(5) أرسطو: المصدر السابق، ص: 31، 32، 33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت