فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 232

و الشاهد الثالث- و هو الأخير- مفاده أن ابن رشد وافق الفلاسفة -فيما حكاه عنهم- بأنهم قالوا: إن الله مريد مُختار، و أفعاله صادرة عنه من غير ضرورة، ذكر ذلك عنهم و دافع عنه، و انتصر لرأيهم [1] . لكنه من جهة أخرى قال: إن العالم أزلي بالضرورة، و أن الله لا يصدر عنه إلا واحد فقط باللزوم [2] . فهذا تناقض واضح، كيف يكون الله مريدا مختارا يفعل من غير ضرورة، ثم يكون العالم صدر عنه ضرورة، و لا يصدر عنه إلا واحد باللزوم؟!. إنه ذكر قوله الأول في كتابه التهافت الذي وجهه لجمهور المسلمين، و ذكر قوله الثاني في كتابه تلخيص ما بعد الطبيعة الذي وجهه إلى الفلاسفة. ففي الأول ذَرّ الرماد في عيون المسلمين و غلّطهم ليرد بذلك الشناعات التي شنّع بها أبو حامد الغزالي على الفلاسفة في نفيهم لصفتي الإرادة و الاختيار. و في الثاني كشف عن حقيقة موقفه في نفيه للصفات الاختيارية القائمة بذات الله تعالى. و هذه الطريقة عودنا عليها ابن رشد، فهو مزدوج الخطاب، أرسطي المنطلق و الغاية، ينتصر لأرسطيته بكل الوسائل المتاحة أمامه، حتى و إن خالفت الشرع و العقل و العلم، و أخلاقيات البحث العلمي النزيه.

و ختاما لهذا الفصل - و هو الثاني- يتبين منه أن ابن رشد لم يُوفق تمام التوفيق في عرضه لطريقة الشرع في إثبات وجود الله تعالى. فقد تخللتها نقائص كثيرة بسبب مذهبيته الأرسطية، التي أوقعته في تناقضات و أخطاء فاحشة في موقفه من صفات الله، و قوله بأزلية العالم.

و تبيّن أيضا أنه كان مزدوج الخطاب في المسائل الفكرية المتعلقة بالشرع و الفلسفة معا. فكان ظاهر التناقض في موقفه منها، مُستخدما للتأويل التحريفي في مسألتي الصفات و أزلية العالم، انتصارا لمذهبيته الإرسطية؛ فكان همه الأول الانتصار لها، و أرسطة ما يُخالفها، فإن لم يستطع رفضه و أغفله و أهمله.

و أتضح أيضا أن النفي و التعطيل غلبا عليه في موقفه من الصفات الإلهية، حتى أنه وصف الله تعالى بالعجز و عدم العلم، عندما زعم أن الله لا يعقل إلا ذاته، و أن العالم صدر عنه ضرورة، و أنه لا يصدر عنه إلا واحد فقط بالضرورة. و أما إثباته لبعض الصفات في كتبه العامة الموجهة لجمهور المسلمين، فكثيرا ما كان فيها مدلسا مغالطا، تظاهر بإثباتها و أوّلها تأويلا باطنيا تحريفيا.

و تبين أيضا أنه قال فعلا بأزلية العالم في بعض مؤلفاته الفلسفية، و أخفى ذلك في كتبه العامة، و أوّل بعض النصوص تأويلا تحريفيا على مقاسه ليُطوّعها ويُؤرسطها و يُؤيد بها زعمه بأزلية العالم و أبديته. لكنه فشل في ذلك فشلا ذريعا، فخالف بذلك النقل الصحيح، و العقل الصريح، و العلم الصحيح، و بقيت محاولته التأويلية نموذجا سيئا للتأويل الباطني الرشدي التحريفي.

(1) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 127.

(2) ابن رشد: تلخيص ما بعد الطبيعة، ص: 149، 153.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت