الصفحة 27 من 108

وإذا كان الجمود على آراء المتقدمين لمجرد أنهم متقدمون، مصادمًا لقانون النمو والتناسل الطبيعي، فهو في الوقت نفسه، سلب لمزية الإنسان في التميز بين الحق والباطل، والملائم وغير الملائم، فيفعل ما يفعل دون عقيدة، ويترك ما يترك دون عقيدة. ومثل هذا لا يجد لنفسه حظًا في أن يفعل أو في أن يترك وإنما يقاد بالزمام، وزمامه صور الآباء والأجداد، فهي دائمًا تجذبه القهقرى ولا يجد من نفسه عونًا على التقدم، فيقع في ضيق من الحياة المتجددة حوله {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا} [1] ، ويظل كذلك حتى تنزل به غاشية من صولة الطبيعة النامية، فتذهب به إلى حيث ذهب الغافلون.

ونهاية القول أن الجمود على آراء المتقدمين، وخططهم في العلم والمعرفة، وأسلوبهم في البحث والنظر، جناية على الفطرة البشرية، وسلب لمزية العقل التي امتاز بها الإنسان، وإهدار لحجة الله على عباده، وتمسك بما لا وزن له عند الله.

هذا وقد نشأ المسلمون في ظل ما قرره الإسلام، ودعا إليه القرآن؛ ففكروا وبحثوا وتعقلوا، وطلبوا البرهان، وأنكروا التقليد، فسادوا وسادت بهم الأمم، ثم لأمر ما انقلبوا على رؤوسهم، وتعفنت أمعاؤهم، وتولدت في أدمغتهم حمى التقليد، فجهلوا أنفسهم، وجهلوا الكون، وجهلوا الحياة، وتفرقوا في دين الله، وكانوا شيعًا فأبطلوا حجة الله على خلقه، وساروا حجة على دينه وشرعه.

زعموا أن لآبائهم عصمة تمنعهم من النظر في أقوالهم، وبذلك لبس الدين فيما بينهم أثوابًا مختلفة الألوان، مختلفة النسج، وراجت عند الجميع البدع والخرافات وعقدت على دين الله غبارًا كثيفًا، فنفر الناس منه، وأعرضوا عنه، واتهموه بالاضطراب بين حلال وحرام، وصحيح وفاسد، وقوي وضعيف!!! وأخذوا يتأهبون للخلاص، ناقمين على طوائف الدين مواقفهم من مورثاتهم التي جعلته في جانب وحياة الناس في جانب آخر.

ألا فليعلم هؤلاء جميعًا أن صدر الحياة الذي يتسع كل يوم وكل ساعة، أصبح غير قابل لضغط تضيق به رقعته ويرجع إلى أغلال الموروثات الأولى، فلينظروا في أي وضع يكونون، وعلى أي منهج يسيرون، حتى يحفظوا لله شرعه، ويقيموا له دعوته.

(1) الأعراف: 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت