فأخذها بعض الناس على ما ظاهرها من حقارة الدنيا على وجه عام، وجعلوها أساسًا لإعراضهم عنها، ومعاداتهم لها، وانحازوا إلى العبادة، وحصروا أنفسهم في أماكنها بناء على فهمهم الفاسد، وقالوا:
كيف نتصل بالحياة الدنيا وهي لهو ولعب، وكيف نقترب منها وما هي إلا متاع الغرور؛ أم كيف لا نتبتل وما خلقنا إلا لعبادة الله رب العالمين؟
وقد سلك طريق هؤلاء، في التحذير من الدنيا، وتبشيعهما في نظر الناس كثير ممن نصبوا أنفسهم في الأزمنة الماضية للوعظ والإرشاد، حتى وجدت في بعض النفوس عقد نفسية منبعها ذلك التأويل المنحرف، وذلك الوعظ الذي نسج على منواله، وأضعفت تلك العقد همم الناس في الحياة العاملة، وأصبحوا في حيرة بين هذه التعاليم التي تلقوها على جهل بحقيقتها، وبين متع الدنيا ونعم الله فيها، فخارت قواهم، وتكون منهم وبهم جيل مضطرب بين تصوره وبين واقعه؛ فاستسلم للضعف والعجز والاستكانة، وكان سببًا في تلك النكبة التي أصيب بها المجتمع الإسلامي بعد عصوره الأولى.
إن هذا المسلك قد احتقره الله في كتابه فلم يذكره لأحد من خلقه وهو بصدد ذكر مسالك الناس في الحياة، وإنما قصر شأن الناس على مسلكين اثنين، ليس هذا المسلك واحدًا منهما. تأمل قوله تعالى: «فمن الناس من يقول: رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» [1] .
مسلكان لا ثالث لهما: العزوف عن الآخرة وجمع الدنيا مع الآخرة.
أما العزوف عن الدنيا، وهو مسلك التبتل والانقطاع، فلم يذكره الله في كتابه، وليس أهلًا لأن يذكره الله في كتابه. نعم ذكره في مقام اللائمة لبعض الطوائف التي ابتدعته، ولم يستطيعوا الوفاء بحقيقته، وكانوا كاذبين في تصوره، والانحياز إليه {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [2] . وكيف يكون هذا المسلك شأنًا من شئون الإنسان في الحياة يقره الله، ويرضى عن أهله ومتخذيه؟ وفيه:
أولًا تعطيل ما كرم الله به الإنسان، من قوى التفكير والإرادة والعمل.
وثانيًا بقاء أسرار الكون ومنافعه كامنة في أطباق الأرض وأجواء السماء، وقد سخرها الله جميعها للإنسان وسلطه عليها، ومهد له طريق إظهارها، وعمارة الكون بها، وأكثر من الإرشاد إلى ذلك في كتابه الكريم، الذي ضمنه ما يجب على الإنسان أن يتخذه منهجًا في الحياة هُوَ الَّذِي أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ
(1) البقرة: 200، 201.
(2) الحديد: 27.