واشرأبّت الأعناق، واستعدّ الناس لِحديثٍ طالَ انتظاره، وتنحنح بعض الحَاضرين .. وجاهر بعضهم بشيءٍ من الهمس .. ولا يدري الكاتب: ما الذي أطار الذكر لهذا الرجل بهذه الصورَة.؟! فلنترك ثنايا حديثه تكشف لنا عن سرّ ذلك .. فتقدّم أبو دردرة إلى المنصّة ..
أيّها السادة! تحيّة مباركة طيّبة، وبعد؛ فمن أين جاءتني هذه التسمية؟ إنّ الكنية التي أحبّها، وأتمنّى أن أدعى بها هي"أبو عاصم"لأنّها تذكّرني بوالدي وولدي .. وأمّا كنية أبي دردرة فقد غلبَت عليّ منذ صغري، ولها قصّة طريفة، فقدْ كنت مُولَعًا بجدّي منذ ما وعيت الدنيا، كما كان مولعًا بي، لما كنت أرى منه من ملاعبة وملاطفة، وحبّ ورفق، وكان ذا رُوْح عذبة فكِهة، وجاهٍ في الناس عريض، يرتاد مجلسَه كلّ مساء عليةُ القوم من الوجهاء والتجّار وأعيان الناس، فإذا كان منصرفًا إلى حديثه معهم، لا يحسّ بأحد يأتيه، فأقف أمامه طويلًا أنتظر منه ما يخصّني به من حبّ وتقبيل، ومدح وثناء .. فلا يلتفت إليّ .. فعدت مرّة إلى أمّي وأنا في غاية الغضب، وكأنّها أحسّت بما يعتمل في نفسي فقالت لي: مالك يا حبيبي حسن؟! فانفجرت بالبكاء! فظنّت أنّ جدّي قد زجرني عن شيء أو ضربني .. وليس من عادته ذلك بحالٍ من الأحوال .. فقالت لي: هل ضربك جدّي.! فقلت لها وأنَا أبكي: لا .. فقالت: وماذا قال لك.؟ فقلت وأنا أبكي: دردرة! دردرة! فاستغربت! وأخذت تردّد هذه الكلمة متعجّبة، ثمّ سألت جدّي. وبعد التفكير العميق اهتدوا إلى أنّني أنقل بتحوير ما اعتاد جدّي على تكراره في حديثه، عندما يتعجّب من موقف أيّ إنسان فهو يكرّر قوله: لله درّه! لله درّه! فنحتّ منها على صغرِ سنّي هذه الكلمة، فسمّيت بها: أبا دردرة! ولنعد إلى ما نحن بصدده من حديث النساء، وما أعذبه؟! وأشجاه وأطربه.!