الأولى: عدم صحة لفظ حديث ثوبان قال ابن القيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية: (( وسمعت شيخنا رحمه الله يقول في صحة هذا اللفظ نظر. قلت: لأن المعروف المحفوظ في ذلك إنما هو تأثير سبق الماء في الشبه ) ) [1] . وقال: (( هذا الحديث تفرد به مسلم في صحيحه. وقد تكلم فيه بعضهم. وقال: الظاهر أن الحديث وَهِمَ فيه بعض الرواة، وإنما كان السؤال عن الشبه، وهو الذي سأله عنه عبد الله بن سلام في الحديث المتفق على صحته. فأجابه بسبق الماء [2] ، فإن الشبه يكون للسابق، فلعل بعض الرواة انقلب عليه شبه الولد بالمرأة بكونه أنثى وشبهه بالوالد بكونه ذكرًا ) ) [3] .
وأجيب على هذا بأن (( الحديث صحيح لا مطعن في سنده، ولا منافاة بينه وبين حديث عبدالله بن سلام. وليست الواقعة واحدة، بل هما قضيتان. ورواية كل منهما غير رواية الأخرى ) ) [4] .
الثانية: أن الإذكار والإيناث ليس له سبب طبيعي، بل هو مستند إلى مشيئة الخالق سبحانه. فقد ردَّ الله تعالى ذلك إلى محض مشيئته [5] ، فقال: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [6] . ويشهد لهذا ما في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه في مراحل خلق الإنسان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان ما يقوله المَلَك عند الخلق: (( قال: يا رب أذكر أم أنثى، فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك ) ) [7] . قال ابن القيم: (( فكون الولد ذكرًا أو أنثى مستند إلى تقدير الخلاق العليم
(1) الطرق الحكمية ص 185. وقال في إعلام الموقعين 4/ 207: (( فكان شيخنا يتوقف في كون هذا اللفظ محفوظا ) ).
(2) يشير إلى ما رواه البخاري (3329) من حديث أنس رضي الله عنه قال بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأتاه فقال إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي. وكان منها أنه قال: من أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟ ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له. وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها ) ).
(3) التبيان في أقسام القرآن 2/ 163 - 164.
(4) التبيان في أقسام القرآن 2/ 165.
(5) الطرق الحكمية ص 185.
(6) الشورى: 49 - 50.
(7) رواه مسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي، رقم (2645) . وأصله في البخاري رقم (3208) دون هذه اللفظة. وقد أخرجه البخاري (318) من طريق أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله عز وجل وكل بالرحم ملكًا يقول: يا رب نطفة، يا رب علقة، يا رب مضغة. فإذا أراد أن يقضي خلقه قال: أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ فيكتب في بطن أمه ) ).