فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 89

وهذا المعنى الذي قصده الناصح لقومه بقوله: {يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد. يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار} [غافر:38 - 39] . فأخبرهم أن الدنيا متاع يُتمتع بها إلى غيرها، وأن الآخرة هي المستقر.

وإذا عُرف أن لذات الدنيا ونعيمها متاع ووسيلة إلى لذات الآخرة، ولذلك خلقت الدنيا و لذاتُها، فكل لذة أعانت على لذة الآخرة وأوصلت إليها؛ لم يذم تناولها، بل يُحمد لحسب إيصالها إلى لذة الآخرة.

إذا عُرف هذا فأعظم نعيم الآخرة ولذاتها: النظر إلى وجه الله جل جلاله، وسماع كلامه والقرب منه، كما ثبت في الصحيح في حديث الرؤية:"فوالله؛ ما أعطاهم شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إليه" [1] ، وفي النسائي ومسند الإمام أحمد من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعائه:"أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك" [2]

فإذا عُرف هذا؛ فأعظم الأسباب التي تُحصِّل هذه اللذة هو أعظم لذات الدنيا على الإطلاق، وهي لذة معرفة الله سبحانه وتعالى ولذة محبته؛ فإن ذلك هو لذة الدنيا ونعيمها العالي، ونسبة لذاتها الفانية إليه كتفْلَةٍ في بحر، فإن الروح والقلب والبدن إنما خُلِق لذلك؛ فأطيب ما في الدنيا معرفته سبحانه ومحبته، وألذ ما في الجنة رؤيته ومشاهدته؛ فمحبته ومعرفته قرة العيون ولذة الأرواح وبهجة القلوب ونعيم الدنيا وسرورها، بل لذات الدنيا القاطعةُ عن ذلك تتقلب آلاما وعذابا، ويبقى صاحبها في المعيشة الضنك؛ فليست الحياة الطيبة إلا بالله.

وكان بعض المحبين تمر به أوقات فيقول: إن كان أهل الجنة في نعيم مثل هذا؛ إنهم لفي عيش طيب.

وكان غيره يقول: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه؛ لجالدونا عليه بالسيوف.

(1) أخرجه: مسلم (181) من حديث صهيب رضي الله عنه.

(2) أخرجه: النسائي (1304) وأحمد (4/ 264) وصححه الألباني في الكلم الطيب ص 65 - 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت