فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 5

المعتبرة، وكثير منها إن أخرجها لا تخرج إلا بعد سنين. ثم بعد ذلك قد يطرأ فيها آفة من الآفات فيدخل هذا الوهم البعيد في حكم الفوات، بخلاف هذين وخصوصا الثاني منهما، وثبوت هذا الحكم فيها لا يقول به عاقل متشرع، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

تذييل: ومن العجب العجاب، ما فاه به وفيه بعض من أخطأ الصواب، وهجم على الإفتاء على مذهب الإمام أبي حنيفة مما لا يقوم به رواية عن أحد من الأصحاب ولا دراية عند أولي الألباب، فغضب من غير ما جرم عند العوام، زاعما جواز الغرس وحرمة القلع لعلة يرى أنه من روي البعض والإبرام، واستند في هذه الدعاوى إلى ما قدمناه في التنبيه.

وقد أوضحنا فيه أن كلا من عدم جواز إحداث الغرس ومن عدم جواز إبقائه هو القول الوجيه، وإلى ما في خلاصة الفتاوى: غرس الأشجار في المسجد لا بأس به إذا كان فيه نفع للمسجد، بأن كان المسجد ذا نز والاسطوانات لا تستقر بدونها، وبدون هذا لا يجوز، انتهى. فصحف"ذا نز"بالذال المعجمة والنون والزاي المشددة أي صاحب"نزو"؛ في الصحاح النز والنذ ما يحلب من الارض من الماء، وقد نزت الارض: صارت ذات نز، انتهى؛ إلى داثر بالدال المهملة والثاء المثلثة والراء، أي خراب. فسجل على نفسه بأنه كما لم يفهم المعنى، قد صحف المبنى. ثم هذا مع قوله: والاسطوانات لا تستقر بدونها، في إفادة كون الضبط على ما ذكرناه وما له من المعنى من الوضوح، بحيث لا يخفى على من له مسحة من فهم معنى أصل التركيب العربي، كما هو وظيفة أدنى العوام.

ثم حيث كان اللفظ على ما ذكره من التصحيف، فالواقعة التي هي مثار ذكر هذه المسئلة، إنما هي في عامر آهل وهو المسجد الأقصى، ومن المعلوم أن ما يجوز في الخراب لا يلزم أن يجوز في العامر، وخصوصا إن خرج عن المسجدية بالدثور، كما هو أحد قولي العلماء فيه. ثم يا ليت شعري ما يصنع بقوله: وبدون هذا لا يجوز، فإنه نص مفيد في إفادة أنه إذا لم يكن داثر لا يجوز الغرس فيه كما هو الصواب، وفي إفادة أنه: إذا لم يكن خرابا لا يجوز الغرس فيه، على ما وقع من التصحيف، فكيف يستدل به على جواز الغرس إذا كان عامرا آهلا ليس بذي نز.

وإن هذا لجدير بقول القائل: وكم من عائب قولا صحيحا، وآفته من الفهم السقيم. وبالمثل السائر: سكت ألفا وقال خلفا. اللهم أعذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وتب علينا توبة نصوحا، إنك أنت التواب الرحيم، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، إنك سبحانك ذو الفضل العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. [1]

هذه المسئلة من كلام المرحوم شمس الدين محمد بن أمير حاج الحلبي ألّفها بالقدس الشريف في عَوده من الحج سنة تسع وسبعين وثمانماية. وقد سئل عن الغرس بالمسجد الاقصى، فأجاب بما

(1) لم يفلح ابن أمير حاج في إقناع أولي الأمر برأيه، فعاد إلى حلب، وما زالت الأشجار قائمة في المسجد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت