استحسن الإمام أحمد ما حكي عن حاتم الأصم أنه قيل له: أنت رجل أعجمي لا تفصح وما ناظرك أحد إلا قطعته فبأي شيء تغلب خصمك؟ فقال بثلاث: أفرح إذا أصاب خصمي وأحزن إذا أخطأ وأحفظ لساني عنه أن أقول له ما يسوؤه، أو معنى هذا، فقال أحمد:"ما أعقله من رجل"، وأنا أقول: ما أحوجنا إلى هذه الأخلاق وإلى ائتلاف القلوب.
وعليه فإن رد الأقوال الضعيفة وبيان الخطأ فيها وإظهار الحق المخالف لها ليس هو مما يكرهه أهل الحق الذين لا يبتغون بما أوتوا من العلم عرض الدنيا من الرياسة والمال والجاه ونحو ذلك، بل مما يحبونه ويمدحون فاعله ويثنون عليه، وإن كان فيه بيان غلطهم هم من غيرهم ولو كان صغيرا، فإن كراهة إظهار الحق إذا كان مخالفًا لقول الرجل ليس من الخصال المحمودة، بل هو غش مناف لخلوص النصيحة؛ نتنزه عنه وننزه عنه علماء الأمة وذوو الفضل من سلفها وخلفها.
وسواء كان الذي بين الخطأ صغيرًا أو كبيرًا فله أسوة بمن رد من العلماء مقالات ابن عباس رضي الله عنه التي شذ بها وأُنكرت عليه مثل المتعة، وعلى عطاء وطاووس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة إذ رأوا أن الدرهم بالدرهمين يدا بيد حلالا، ومن رد على الفاروق رضي الله عنه قوله عن الجنب: لو بقي شهرا لم يصل حتى يغتسل، ومن رد عليه أيضا المفاضلة بين دية الأصابع، ومن رد عليه نهيه عن متعة الحج، وعلى غير هؤلاء ممن أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم ومحبتهم والثناء عليهم، ولم يعد أحد منهم هذه المخالفة طعنًا في هؤلاء الأئمة ولا عيبًا لهم ولا انتقاصا لقدرهم ولا غضا من حقوقهم.