قضية الرزق واضحة في تصورها لا غبش فيها، فقولها: (هو ربُّنا، والعالم بنا، ورزقنا عليه يأتينا به متى شاء) يبرز الجانب العقدي الصحيح في تصورها، كما يبرز جانب فهمها لقضية - الزمان والمكان - في موضوع الرزق، اللَّذَين استأثر الله تعالى بعلمهما بدايةً.
وكان سلف هذه الأمة على فقه تام لقضية الرزق، فكانت واضحة تمام الوضوح بأبعادها وأجزائها، فهي مبسطة في حسهم الإيماني، فلا تعقيد عندهم في فهمها، كما هي معقدة في حس ونفوس كثيرين من أبناء هذا العصر، فجاءت عبارات سلف هذه الأمة في قضية الرزق تدل على التكامل الإيماني في نفوسهم، وظهوره على شخصياتهم وانعكاسه على تصرفاتهم.
فكانوا يقولون:"توكل، تساق إليك الأرزاق بلا تعب ولا تكلف" [1] .
وقيل لأبي أسِيد: من أين تأكل؟ فقال: سبحان الله، والله أكبر، إن الله يرزق الكلب، أفلا يرزق أبا أَسِيد؟ [2] وقيل لبعضهم: من أين تأكل؟ فقال: الذي خلق الرَّحى يأتيها بالطحين، والذي شدق الأشداق هو خالق الأرزاق [3] . وقيل لحاتم الأصم: من أين تأكل؟ فقال: من عند الله. فقيل له: الله ينزل لك دنانير ودراهم من السماء؟ فقال: كأنْ ماله إلاَّ السماء! يا هذا: الأرض له،
(1) أخرجه ابن أبي الدنيا في التوكل على الله (90 رقم 53) ومن طريقه الخطيب في تاريخ بغداد (14/ 403) .
(2) تفسير القرطبي: (9/ 7) . وانظر: المجالسة للدينوري (7/ 163 رقم 3069) .
(3) تفسير القرطبي: (9/ 6) .