الصفحة 20 من 164

ومكان، وذلك أن الدنيا بما فيها هي: وسيلة لها زمنها المحدود، إلى غاية لها الوجود الممدود الذي لا نهاية له، وتلك الغاية هي الآخرة، ولا يليق بالعاقل أن يتلهى بالوسائل ويغفل عن غاياتها ولذلك فلا يمكن أن يتساوى في ميزان المؤمن أمر الدنيا والآخرة، ومن كانت الدنيا همَّه جعل الله فقره بين عينيه، وخرج منها ولم ينل منها إلاًّ ما قدره الله له منها. قال تعالى: ? ? ? ? ? ? ? [1] ألا ما أَجَلَّ هذا القول الكريم وأشرفه، وأكرمه وأعظمه، وأجزله وأقواه، إنَّه يستأصل التردد والخوف في نفس المسلم تجاه قضية الرزق، ويقطع عروق الشك تجاهها، وإنَّ المؤمن لتطمئن نفسه إلى هذه الحقيقة القرآنية الخالدة الباقية فيغمر الاطمئنان وجدانه كله إلى هذا الموعود الإلهي الكريم فيحس باليقين يغمره كله، فينعكس ذلك على حركته في الحياة وهو يسعى متلمسًا أسباب الرزق، سعيًا راشدًا يدل على عقل وحكمة وإيمان.

وإذا كانت العبادة هي غاية الخضوع، وكمال الذل للمعبود، فإنها لا ينبغي أن تكون إلاَّ لمن له غاية الاحتياج والافتقار، ومن عنده أرزاق خلقه أجمعين، وليس ذلك إلاّ لله الخلاق الرزاق، الغني عما سواه، وكل ما سواه فقير محتاج إليه في كل شيء، ولذلك جاء قول الله تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? [2] وقد قرن فيه أمره - سبحانه وتعالى - بابتغاء الرزق عنده - جلَّ جلاله- بأمره عز وجل بعبادته وشكره، دليلًا على أن من ملك الرزق فهو الحقيق بالعبادة والشكر.

والعالم الإنساني اليوم تحتوشه شياطينه من بني الإنسان محاولة أن تضله عن الهدي القرآني وحقائقه الخالدة في موضوع الرزق، وتوهمه أن عالم الإنسان مهدد بالفقر، والتصحر، والجفاف، فتوقعه بذلك في متاهات لا نهاية لها من الحيرة، والاضطراب، والتبعية المطلقة لأولئك الشياطين، ويقف المؤمنون في كل مكان يصارعون بقوة الحق باطل هؤلاء الشياطين، ويرفع الاقتصاد الإسلامي رأسه وسط هذه المعركة الرهيبة ويعلن عن هويته، وأنَّها هوية تستند إلى حقائق الوجود الثابتة التي لا تتبدل ولا تتغير، والتي فطر الله خلقه عليها، والتي لا يمكن لشياطين الإنس أن تلعب بها أو تتسور عليها، وتلك هي حقائق القرآن الخالدة الرائعة في قضية الرزق، والتي تنطلق من حقيقة أنَّ الله جلَّ جلاله هو خالق الخلق، وهو سبحانه مقدر الرزق، فالرزق ليس في يد الشرق أوْ الغرب، ولكنه بيد الله تعالى الذي بيده ملكوت كل شيء وهو جلَّ جلاله الرزاق ذو القوة المتين، وبأنوار حقائق القرآن الخالدة الباقية في هذا الموضوع تختفي سائر الشياطين التي تسيطر على اقتصاد العالم اليوم على أسس ربوية ظالمة، واحتكار جائرٍ، ونهب لثروات الأمم والشعوب، وتسلط فاضح من الأغنياء على الفقراء، وامتصاص لدمهم

(1) سورة الزخرف: (32) .

(2) سورة العنكبوت: (17) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت