فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 42

(10) مع أن الأصل في الشريعة الإسلامية التسوية بين الرجال والنساء في التكاليف والأهلية والتصرفات، فإنها خصت كلا من الرجال والنساء بأحكام معروفة، عرف منها ومن قواعد الشريعة العامة بحسب الاستقراء في التطبيقات، أن كل ما كان قائمًا على الاجتماع والظهور والمخالطة ولم تدع إليه ضرورة أو حاجة عامة غالبة فإنه يختص به الرجال، كأصل فريضة الجهاد، وإيجاب حضور الجمع والجماعات .. الخ، فلم توجب الشريعة على النساء شيئًا من ذلك بل خصتهن بواجبات شرعية وأمور أخرى أولى بطبيعتهن، ومن كل ما ميادينه الأسرة أو النطاق الخاص بالنساء.

أما بيعة النساء التي أشار إليها القرآن الكريم بقوله تعالى: {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم} (الممتحنة:12) .

فإن مضمون هذه البيعة يدور حول التزام النسوة بالطاعة، والمعروف، واجتناب المنكرات والمعاصي، وليس في بنود البيعة شيء من مقتضى الولاية العامة، بدليل ما تميزت به بيعة الرجال من المعاقدة على الجهاد، وعدم منازعة الأمر أهله ففيها: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله.

وكذلك ما حصل من مشاركة بعض النساء في بيعة العقبة (دون قصد لتلك المشاركة) لأن تلك البيعة في حقيقتها معاقدة على حماية الرسول صلى الله عليه وسلم لإبلاغ الدعوة فهو عبارة عن عهد جوار وأمان، والمرأة من أهل إعطاء الأمان، وإجارة المستجير من خلال الروابط المختلفة؛ وطبقا لهذا جاءت القاعدة المقررة بشأن وحدة المسلمين وأمانهم.

وما وقع كذلك من أمثلة نادرة في التاريخ الإسلامي مع استنكار العلماء لها لا تخفى ظروفها من التغلب ومضاعفاتها الخاصة والعامة، على أن هذه الوقائع لا تصلح للاحتجاج ولا للاستئناس؛ لأنها لم يستأمر فيها حكم الشرع، وهو الحال في بعض ما هو قائم الآن في البيئات الأخرى من تطبيقات سواء كانت في الترشيح، أو الانتخاب في المجالات العامة لم يؤخذ الرأي الشرعي كذلك في التطبيقات الخاصة ببعض المجالات الاقتصادية كالجمعيات التعاونية، أو المجالات الطلابية (مما هو في أصل طبيعته خاص بشئون تجارية أو دراسية مباشرة) على أن تلك التطبيقات الخاصة لا تخرج في طبيعتها عن التوكيل (بشيء من القيود الملائمة لظروف النشاط الاقتصادي الجماعي، أو الأحوال الغالبة من شئون الطلبة) وشتان بين ممارسة الولاية العامة، أو القيام بمهمة الانتخاب التي هي اختيار لمن يتولاها، وبين التوكيل في هذه المصالح الخاصة مما يسهل بعيدًا عن المحاذير القائمة في سواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت