ـ 66 ـ
ولو كان أيضًا فاعلًا لما لزمت الباء بعده، كما لم تلزم في كفى بالله، بل يجوز أن تقول: كفى الله، ولما انتصب الاسم حين يحذف منه حرف الجر، بل كان يرتفع لأنه فاعل، وقد انتصب في قول الشاعر [1] :
59 ـ ألا طَرَقتْ رِجالُ القومِ ليلَى فأبعِدْ دارَ مُرتحلٍ مَزارا 0 الطويل)
وقد رووا عجز بيت لم يُعرف صدره وهو [2] :
60 ـ 0000000000000 لأحْذِرْ مثلَ ذلكَ أن يكُونا 0 (الوافر)
والجواب على ذلك جميعه أن نقول: قد ثبت أن الجار والمجرور في موضع رفع فاعلًا بما ذكرنا من الدليل المتقدم [و] [3] ما ذكروه من الإيرادات، الجواب عنها سهل، فلا يقدح فيما ذكرنا أمّا الآية الكريمة فأجاب عنها المصنف ـ رحمه الله ـ بأنه وإن كان فاعلًا حذف لمّا خرج مخرج الفضلات، وأجاب عنها أبو علي ـ رحمه الله ـ بأنه ليس هاهنا محذوف، بل هو ضمير مستتر في الفعل لمّا حذف حرف الجر، كان أصله أبصر بهم، فحذفنا الباء واتصل الضمير المرفوع بالفعل، فاستتر فيه، قالوا: لا يكون مستترا لأنه ضمير جمع، وضمير الجمع لا يستتر، فلو كان متصلًا بالفعل لقال: أسمع بهم وأبصروا، والجواب عن ذلك بأنه لم يستره، ولفظه لفظ ضميرالجمع، بل أُضمِر [19 أ] لفظ مفرد في معنى جمع، كما قلنا ذلك في نعم وبئس إذا أريد بالضمير الذي فيها الجمع، نحو: نعم رجالًا الزيدون، وكما قال سيبويه ـ رحمه الله ـ في قول العرب: ضربني وضربت الزيدين، إنه أضمر في ضربني مفردًا في معنى الجمع، هذا إن قلنا بأن الآية الكريمة معناها التعجب، وإلاّ فقد قيل إنها أمر، وليس تعجبًا، نقل الطبري في تفسيره عن أبي العالية [4] ـ رحمه الله ـ أنها أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن الباء زائدة تقديره والله أعلم: أسمعهم وأبصرهم، فيكون قد حذف المفعول حينئذ، لا الفاعل، وأما قولهم: لو كان فاعلًا لما لزمت الباء، قلنا: قد ثبت كونه فاعلًا بما ذكرنا، ولزوم الباء لا دليل فيه إذ يجوزأن يكون لزومها مراعاة لصورة اللفظ، حيث كان صورته صورة الأمر
(1) قائله مجهول، ويروى: لقد طرقت 0 همع الهوامع 5/ 58
(2) مجهول القائل 0
(3) زيادة يقتضيها السياق
(4) هو الحسن بن مالك الشامي، عمل مؤدبًا للعباس بن المأمون، وكان أديبًا شاعرًا راوية من أصحاب الأصمعي، كانت وفاته بعد الأربعين ومئتين 0 فوات الوفيات 1/ 350 ـ 351