الصفحة 36 من 58

حتى يألفها ويعتادها ثم يغريه بما هو أكبر وأعظم، يقول تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [النور: 21] . ثم إن الصغائر إذا اجتمعت عليه قد تهلكه إذا أُخذ بها صاحبُها؛ لأنها دليل تهاونه بشرع الله. وقولنا إن إصرار المرء على الصغائر لا يجعلها في عداد الكبائر لا يعني قبول شهادة المصر عليها، فإن المصر على الصغائر مردود الشهادة وإن قلنا أنه لم يتعاط الكبائر؛ لأن أمر الشهادة أمر عظيم، وباب خطير، ولما كانت الشهادة قائمةً في أصلها على الشاهد، الذي قد يقتطع حق المشهود عليه لصالح المشهود له، ويُلزم القاضي بشهادته فلا يملك ردها إن توافرت فيها جميع الشروط الأخرى، لذا وجب الاحتياط في حال الشاهد، فقد تضيع الحقوق والأموال، وتهدر الأنفس والدماء، فإن كان التحفظ والترفع عن الدنايا في حق الناس وأعرافهم مطلوبًا في الشاهد وهو ما عبَّر عنه الفقهاء بالمروءة مع أنه لا يصل إلى حد الحرام، فمن باب أولى أن يكون الشاهد متحفظًا فيما بينه وبين ربه بتوقي الصغائر قدر استطاعته، وذلك بعدم الإصرار عليها، ولا يعني ذلك عدم الإلمام بشيء منها؛ لأن ذلك مما لا تقوى عليه النفوس البشرية التي فطرها الله على الضعف والجهل والتقصير والخطأ والزلل، وإنما العبرة في ذلك بالغالب، فإن كان غالب حال المرء توقي الصغائر علَّقنا الحكم عليه، وأجزنا شهادته، وإن كان غالب حاله الوقوع في الصغائر رددنا شهادته، يقول تعالى: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون: 103] [1] .

فإلمام العبد بشيء من الصغائر واقع منه لا محالة، ويصدّق ذلك قول النبي عليه الصلاة

(1) ينظر: الشيرازي، المهذب، ج 3، ص 438.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت