يقول ابن تيمية رحمه الله عن هذا أنه:"ليس له أصل في كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا قاله أحد من الصحابة، ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في الدين؛ كمالك والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيدة، ولا مشايخهم الذين يقتدى بهم: كالفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، وأمثالهم."
ولم يكن في الصحابة والتابعين والأئمة والمشايخ المتقدمين من يقول: إن الدعاء مستجاب عند قبور الأنبياء والصالحين، لا مطلقًا، ولا معينًا. ولا فيهم من قال إن دعاء الإنسان عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل من دعائه في غير تلك البقعة، ولا أن الصلاة في تلك البقعة أفضل من الصلاة في غيرها. ولا فيهم من كان يتحرى الدعاء ولا الصلاة عند هذه القبور" [1] "
هذا ولو كان الدعاء عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أجوب من غيره لحرص على فعل ذلك الصحابة، لا سيما وقت الحاجة مثل عام الرمادة، قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله:"ليس الدعاء عند القبور بأفضل من الدعاء في المساجد وغيرها من الأماكن، ولا قال أحد من السلف والأئمة إنه مستحب أن يقصد القبور لأجل الدعاء عندها؛ لا قبور الأنبياء ولا غيرهم؛ بل قد ثبت في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب استسقى بالعباس ـ عم النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ وقال: اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون. فاستسقوا بالعباس كما كانوا يستسقون بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه عم النبي - صلى الله عليه وسلم -."
وما كانوا يستسقون عند قبره، ولا يدعون عنده؛ بل قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحاح أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا» ، وقال قبل أن يموت بخمس: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك» ، وفي السنن عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «لعن الله زوَّارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج» . فإذا كان قد حرَّم اتخاذها مساجد والإيقاد عليها، علم أنه لم يجعلها محلًا للعبادة لله والدعاء. وإنما سنَّ لمن زار القبور أن يسلم على الميت، ويدعو له، كما سنَّ أن يصلي عليه قبل دفنه ويدعو له. فالمقصود بما سنه - صلى الله عليه وسلم - الدعاء للميت، لا دعاؤه. والله أعلم." [2] "
وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى المسلمين عن العبادة في القبور، فكيف تكون عبادة الدعاء أجوب عند القبور؟
قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله:"فإنه ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي مرثد الغنوي: أنه قال: قال - صلى الله عليه وسلم: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» لأن ذلك يشبه السجود لها، وإن كان المصلي إنما يقصد الصلاة لله تعالى. وكما نهى عن اتخاذها مساجد ونهى عن قصد الصلاة عندها، وإن كان المصلي إنما يقصد الصلاة لله سبحانه والدعاء له. فمن قصد قبور الأنبياء والصالحين لأجل الصلاة والدعاء عندها فقد قصد نفس المُحَّرم الذي سد الله ورسوله ذريعته، وهذا بخلاف السلام المشروع" [3]
وهذا الذي ذهب إليه شيخ الاسلام من عدم جواز قصد القبر الشريف للدعاء عنده ليس قولا انفرد به كما زعم بعض الناس بل هو قول جملة من السلف كما بين ذلك شيخ الاسلام رحمه الله فقال:"والذي ذكرناه عن مالك وغيره من الأئمة كان معروفًا عند السلف، كما رواه أبو يعلى الموصلي في «مسنده» وذكر الحافظ أبو عبد الله المقدسي في «مختاره» عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ـ المعروف بزين العابدين ـ أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيدخل فيدعو فيها فنهاه، فقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا"
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية رحمه الله 27/ 115
(2) مجموع فتاوى ابن تيمية رحمه الله 27/ 180
(3) مجموع فتاوى ابن تيمية رحمه الله 1/ 236