لهيبته، وانصرفوا، ثم عادوا بعد مدة إلى حلقة الشلوبين، فقال لهم: ما فعلتم في سؤال ابن عصفور؟ فصدقوه الحديث، فأقسم ألاّ يخبرهم ما العامل فيه.
وحين نقرأ سيرة الشلوبين، لا نعجب لهذا الذي حدث، فقد اشتهر بحدة الخلق، والثلب في أئمة النحو، فقد جعل أبو العلاء بن منصور الشلوبين يحضر مجالس المذاكرة في المذاهب، فأطلق لسانه بالثلب في أئمة الفقه، وحينئذ مُنع الحضور، وقيل له: أنت رجل لا تترك عادتك، وأئمة الفقه ليسوا كأئمة النحو، ويخشى عليك أن تتعرض لسفك دمك [1] .
وللشلوبين حكايات مشهورة في الغفلة، منها عنقود العنب الذي وضعه في نهر أشبيلية وهو في القارب حتى يبرد، ثم مدّ يده ليأخذه، ومع هذا فإنه كان من ذوي المروءات، وله في ذلك غير حكاية، وأمّا في درجة العلم والدراية فإليه كانت الغاية [2] .
ويبدو لنا أن الشلوبين كان يخشى أن ينافسه ابن عصفور الزعامة، أو يتغلب عليه، لذا نراه يرسل طلابه ليفضوا حلقة ابن عصفور، كيف لا، والشلوبين يرى ما أصبح عليه ابن عصفور من منزلة علمية رفيعة بين مواطنيه.
وعلى الرغم من هذه المنافرة، فإن العلاقة بين ابن عصفور وشيخه الشلوبين ينعكس صداها واضحا في كتاب شرح الجمل، وبخاصة حين ينقل ابن عصفور آراء الشلوبين، ويناقشها، فقد اعتاد أن يبدأ ذلك بعبارة: قال الأستاذ أبو علي، أو قال الأستاذ رضي الله عنه [3] ، مما يوحي بإجلال ابن عصفور لأستاذه، وبنوع الرابطة التي تربط بين التلميذ وأستاذه.
وتلمذة ابن عصفور له أفادته في القراءات، واللغة، والنحو، والأدب، والحديث، إذ كان الشلوبين مشهورا في هذه العلوم، وقد نقل ابن عصفور عن الشلوبين؛ غير مشير إلى سماع، وإنما يروي عنه بما يُفيد العِلم، لا السماع المباشر، فنجده يقول: قال الأستاذ.
فإذا ذهبنا نتلمس مواضع تأثر ابن عصفور بشيخه الشلوبين، ومتابعته له، وجدناه متابعًا له في القضايا النحوية التالية [4] :
ـ عدم جواز تقدّم الصفة على الموصوف، ووقف ما جاء من ذلك على السماع [5] .
ـ إعراب الصفة المقدمة على الموصوف [6] .
ـ مواضع جواز حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، إذا كانت الصفة في تقدير اسم [7] .
(1) القدح المعلى ص 154.
(2) القدح المعلى ص 154.
(3) شرح الجمل 1/ 218، 219، 225، 226، 571، 623، 2/ 170
(4) رُتبت هذه القضايا بحسب ورودها في كتاب شرح الجمل.
(5) شرح الجمل 1/ 218
(6) شرح الجمل 1/ 218
(7) شرح الجمل 1/ 219