ورسم المصحف، ومستقيمة المعنى [1] ، وتضمحل قيمة القياس وتتلاشى أمام القراءات المسموعة عند الأخفش، لأنّ للسماع عنده مكانة عظمى [2] ، ومن هنا يقول شوقي ضيف:
(وسترى الأخفش الأوسط يسبق الكوفيين المتأخرين إلى التمسك بشواذ القراءات، والاستدلال عليها من كلام العرب وأشعارهم) [3] .
ولكن المتأخرين من البصريين لم يكن موقفهم حيالها موقف مَن أطلق يده فيها، وعبّ منها ما استطاع، كما فعل الكوفيون، فهم ينظرون إليها نظرة حذر وحيطة، ولا يأخذون بها إلاّ ما ندر.
لقد أخضع البصريون المتأخرون القراءات القرآنية لأصولهم، شأنها في ذلك شأن سائر النصوص اللغوية، فلم يأخذوا منها إلاّ ما وافق قواعدهم، ولو بالتأويل، وإنْ كانت قراءة غير موافقة لأقيستهم وقواعدهم، فهي قراءة واهية، وقارئها واهم؛ حتى ولو كانت متواترة، ولا سبيل لإنكارها، وكان القارئ من السبعة، وهذا ما لمسناه بوضوح من خلال حديث ابن الأنباري، المتعلق بهذا الموضوع، عند معالجته لمسألة الفصل بين المتضايفين، أثناء تعرضه لقراءة ابن عامر: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} [4] بنصب أَوْلَادَهُمْ [5] .
لقد عامل متأخرو البصريين القراءات القرآنية على أساس ما عاملوا به ما وقع في الشعر؛ خارجا عن قواعدهم، فأوّلوا ما احتمل ذلك، وما لم يحتمل التأويل رموه بالشذوذ أو الضرورة، فكان موقفهم من القراءات المخالفة للقواعد موقفهم من الشواهد الفريدة، واللهجات النادرة والشاذة وغيرها، وعاملوها معاملتها؛ لأنهم يُريدون أنْ تطرد قواعدهم، على الرغم من أنّ القراءات سابقة على التقعيد والتقنين النحويين، فكان يجب ألاّ تخضع القراءات لها، بل الواجب أنْ يخضعا للقراءات؛ لأنها مادة سائدة عند التقعيد، فهي من مصادر النحو، وليس من الجائز توهين القراءات، وعدم الاعتداد بثقة النقل أو الرواية، فذلك منهج غير سديد، لأنه إذا ثبت صحة الرواية والنقل، فينبغي أنْ تخضع القوانين والقواعد لها، لا أنْ تخضع القراءات لمقاييس النحويين وقوانينهم، وإلاّ انقلب الأمر، وانعكست المسألة، كما أنّ محاولة إخضاع القراءات لأصول النحو واللغة، التي رسمها البصريون، لا تعطي التفسير الصحيح
(1) عبد الأمير الورد، منهج الأخفش الأوسط في الدراسة النحوية، ص 183.
(2) الأخفش الأوسط، معاني القرآن، ص 232، 270،9 38.
(3) المدارس النحوية، ص 19.
(4) الأنعام / 137.
(5) الإنصاف في مسائل الخلاف، ص 436 (م 60) .