حسن المعاشرة، والخطاب للجميع، إذ لكل أحدٍ عِشْرة، زوجًا كان أو وليًا، ولكن المراد بهذا الأمر في الأغلب الأزواج، وهو مثل قوله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 229] . وذلك توفية حقها من المهر والنفقة، وألا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون مُنطَلِقًا في القول لا فظًّا ولا غليظًا ولا مُظهرًا ميلًا إلى غيرها) [1] اهـ.
وقيل: هو أن يتصنع لها كما تتصنع له، واستدل بعمومه من أوجب لهن الخدمة إذا كُنَّ ممن لا يخدمن أنفسهن، قال ابن كثير: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أي طيِّبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيآتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228] .
قوله تعالى: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19] ، قال القرطبي رحمه الله: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ} أي لدمامة أو سوء خلق من غير ارتكاب فاحشة أو نشوز، فهذا يُندب فيه إلى الاحتمال، فعسى أن يؤول الأمر إلى أن يرزق الله منها أولادًا صالحين. قلت: ومن هذا المعنى ما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( لا يَفْرَك مؤمن مؤمنةً إن كره منها خُلُقًا رضي منها آخر ) )أو قال: (( غيره ) )، والمعنى: أي لا يُبْغِضها بغضًا كُليًا يحمله على فراقها، أي لا ينبغي ذلك بل يغفر سيئتها لحسنتها، ويتغاضى عما يكره لما يحب.
وقال مكحول: سمعت ابن عمر يقول:"إن الرجل ليستخير الله تعالى فَيُخَار له، على ربه عز وجل، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خِيرَ له".
وذكر ابن العربي بسنده عن أبي عبد الرحمن: كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد من العلم والدين في المنزلة والمعرفة، وكانت له زوجة سيئة العشرة، وكانت تُقَصِّر في حقوقه، وتؤذيه بلسانها؛ فيقال له في أمرها ويُعذَلُ بالصبر عليها، فكان يقول:"أنا رجل قد"
(1) الجامع لأحكام القرآن (5/ 97) .