الصفحة 53 من 66

وَتَفْهِيمًا {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [[1] ] [النساء: 65] .

(1) قال ابنُ القيم - رحمه الله: وَقَدِ افْتَتَحَ سُبْحَانَهُ هَذَا الْخَبَرَ بِالْقَسَمِ الْمُؤَكَّدِ بِالنَّفْيِ قَبْلَهُ وَأَقْسَمَ عَلَى انْتِفَاءِ الْإِيمَانِ مِنْهُمْ حَتَّى يُحَكِّمُوا رَسُولَهُ فِي جَمِيعِ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ مِنْ دَقِيقِ الدِّينِ وَجَلِيلِهِ، وَفُرُوعِهِ وَأُصُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ مِنْهُمْ بِهَذَا التَّحْكِيمِ حَتَّى يَنْتَفِيَ الْحَرَجُ، وَهُوَ الضِيقُ مِمَّا حَكَمَ بِهِ، فَتَنْشَرِحَ صُدُورُهُمْ لِقَبُولِ حُكْمِهِ انْشِرَاحًا لَا يَبْقَى مَعَهُ حَرَجٌ ثُمَّ يُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، أَيْ: يَنْقَادُوا انْقِيَادًا لِحُكْمِهِ ...

وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الرَّدَّ إِلَيْهِ هُوَ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى سُنَّتِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ، وَاتَّفَقُوا أَنَّ فَرْضَ هَذَا الرَّدِّ لَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ فَإِنْ كَانَ مُتَوَاتِرُ أَخْبَارِهِ وَآحَادِهَا لَا تُفِيدُ عِلْمًا وَلَا يَقِينًا لَمْ يَكُنْ لِلرَّدِّ إِلَيْهِ وَجْهٌ ...

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ حَالِ هَؤُلَاءِ الْمُتَحَاكِمِينَ إِلَى غَيْرِ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 61] فَجَعَلَ الْإِعْرَاضَ عَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَالِالْتِفَاتَ إِلَى غَيْرِهِ هُوَ حَقِيقَةَ النِّفَاقِ، كَمَا أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ هُوَ تَحْكِيمُهُ وَارْتِفَاعُ الْحَرَجِ عَنِ الصدر بِحُكْمِهِ وَالتَّسْلِيمُ لِمَا حَكَمَ بِهِ رِضًى وَاخْتِيَارًا وَمَحَبَّةً، فَهَذَا حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ، وَذَلِكَ الْإِعْرَاضُ حَقِيقَةُ النِّفَاقِ.

ثُمَّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ عُقُوبَةِ الْمُعْرِضِينَ عَنِ التَّحَاكُمِ إِلَيْهِ - صلى الله عليه وسلم - الرَّاضِينَ بِحُكْمِ الْغَيْرِ مِنْ خَلْقِهِ فِي قَوْلِهِ: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء: 62] .

فَأَخْبَرَ أَنَّ هَذَا الْإِعْرَاضَ عَنِ التَّحَاكُمِ إِلَيْهِ - صلى الله عليه وسلم - سَبَبٌ لِأَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] وَقَالَ فِي الْمُتَوَلِّينَ عَنْ حُكْمِهِ ... {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} [المائدة: 49] .

[مختصر الصواعق المرسلة لابن الموصلى 4/ 1448 - 1450 بتصرف]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت