ومما تجدر الإشارة إليه في تأريخ التضخم النقدي أن غلاء الأسعار تكرر وقوعه في تأريخ الأمة الإسلامية على مر العصور كما ذكر ذلك المؤرخون [1] . لكن لما لم يكن كل ارتفاع للأسعار يوصف بأنه تضخم فإنه لا يمكن ضم كل ذلك في تأريخ التضخم النقدي، لا سيما وأن من تلك الارتفاعات في الأسعار ما كان مرتبطاً بأسباب وقتية من قحط أو نقص طارىء في المحاصيل أو ما أشبه ذلك من العوامل المؤقتة التي يخرج بها ارتفاع المستوى العام للأسعار عن كونه تضخماً نقدياً. ومن ذلك غلاء السعر في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السنة الثامنة من الهجرة [2] ، فإن سببه أن المطر قَحَطَ وانحبس، فقد روى أنس بن مالك [3] - رضي الله عنه - (( أن المطر قَحَطَ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة حتى غلا السعر، وخشوا الهلاك على الأموال، وخشينا الهلاك على أنفسنا. فقلنا: ادع ربك أن يسقينا. فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه إلى السماء، ولا والله ما نرى في السماء بيضاء، ولا والله ما قبض يده حتى رأيت السماء تشقق من هاهنا وهاهنا، حتى رأيت ركاماً، فصب سبع ليال وأيامهن من الجمعة إلى الجمعة الأخرى، والسماء تسكب ) ) [4] . ومثل
(1) ينظر: إغاثة الأمة بكشف الغمة ص (30 وما بعدها) ، تأريخ الأمم والملوك (5/ 274، 525، 593) ، أخبار مكة للفاكهي (3/ 242) ، تأريخ بغداد (13/ 196) ، التدوين في أخبار قزوين (1/ 295) ، الكامل لابن الأثير (7/ 22) ، البداية والنهاية (10/ 239) ، عجائب الآثار للجبرتي (1/ 43) .
(2) ينظر: شذرات الذهب (1/ 12) .
(3) أنس بن مالك بن النضر النجاري الأنصاري، خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، خدمه إلى أن قبض ثم رحل إلى دمشق ثم البصرة، روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث كثيرة، توفي سنة (90هـ) ، وقيل: سنة (93هـ) .
[ينظر: أسد الغابة (3/ 164) ، الإصابة في تمييز الصحابة (1/ 71) ] .
(4) أخرجه في المعجم الأوسط، رقم (596) (1/ 352) .
وأصل قصة الاستسقاء في الصحيحين من حديث أنس أيضاً رواها البخاري في كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في المسجد، رقم (1013) ، ومسلم في كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء، رقم (897) .