الصفحة 69 من 111

وهو في هذا الرّد كأنّه ناظرٌ إلى معنى قوله تعالى:"لا ريب فيه"في صدر سورة"البقرة"فهو وإن ارتاب فيه ضعاف العقول والملكات البيانية فإنّه لا قيمة لريبهم في ميزان أهل الحجى وسلاطين البيان, والشيءُ لا يكون بريئًا من الطعن إذا لم يوجد طاعنٌ فيه، فكم من باطلٍ خرست الألسنة عنه، مثلما لا يكون الشيءُ غير بريءٍ وإن تكاثرت مطاعن الحمقى والمأفونين، فكم من طاعن في الحقّ الأبلج 0

إن الاعتداد عند أهل الحق بالطعن المؤثر الذي يشتبه على من أحسن النظر، أمّا ذلك الذي لا يؤثر ولا يشتبه على من أحسن النظر، فهو والعدم سواء، فالله تعالى بإحكام آياته فيما جعله مناط التحدي والدلالة والحجة لم يجعل للطعن عليه طريقا ومجالا، فصرفَ - تعالى - بإحكام القرآن الكريم عن أن يطعن فيه بما هو مؤثر معتد به عند أهل الحق، فهو معجزٌ بإحكامه وصارفٌ به عن الطعن في أنَّه آية النبوة وحجتها 0

وهذا التوجيه"الثامن"للآية يعلي الوجه الأول من الوجهين اللذين أشرتُ إليهما في فقه قوله في التوجيه"الخامس":"سأصرف من رام المنع من أداء آياتي وتبليغها."فيكون الأداء هنا أداء إيصالٍ للناس وإيقافهم على الآية

وهذا التوجيه"الثامن"للآية هو - أيضا - أفضلُ ما يقال في معنى"الصرفة"وقد بينته في مبحث الصرفة عند"الرمانى"وعند"شارح النكت"فهو لا يتعاند مع القول بإعجاز القرآن الكريم بنظمه وبلاغته فحسب، بل هو يتناغى ويتآخى معه ويؤيده ويؤازره، وأوقن أن كلّ فقيه مستبصر مؤمن بإعجاز بلاغة القرآن الكريم لا يرتضي هذا التوجيه فحسب بل يعتنقه ويعتقده وينافح عنه؛ لأنه لازم لزوما لا ينفك للقول بإعجاز بلاغة القرآن الكريم 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت