ويتلذذون بها ويتوصلون بها إلى لذات الدنيا وشهواتها ثم ينقلب ذلك بعد موتهم فيصير جمرا من جمر جهنم في بطونهم فما تفى لذتها بتبعتها كما قيل.
تفنى اللذاذة ممن نال لذتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء من مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار
فلهذا شبَّه النبي - صلى الله عليه وسلم - من يأخذ الدنيا بغير حقها ويضعها في غير حقها بالبهائم الراعية من خضراء الربيع حتى تنتفخ بطونها من أكله فإما أن يقتلها وإمَّا أن يقارب قتلها فكذلك من أخذ الدنيا من غير حقها ووضعها في غير وجهها إما أن يقتله ذلك فيموت به قلبه ودينه وهو من مات على ذلك من غير توبة منه وإصلاح حال فيستحق النار بعمله قال الله تعالى {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَاكُلُونَ كَمَا تَاكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} [1] وهذا هو الميت حقيقة فإن الميت من مات قلبه كما قيل:
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء
وأما أن يقارب موته ثم يعافى وهو من أفاق من هذه السكرة وتاب قبل موته وقد قال علي رضي الله عنه في كلامه المشهور في أقسام حملة العلم أو منهوم باللذات سلس القياد للشهوات أو مغرى بجمع الأموال والإدخار وليسوا من رعاة الدين أقرب شبها بهم الأنعام السارحة وفي الأبيات المشهورة التي كان عمر بن عبد العزيز ينشدها كثيرًا:
نهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم والردى لك لازم
وتتعب فيما سوف تكره غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم#
(1) سورة محمد آية 12.#