منها حديث أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: فِيهِ خُلِقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَام، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ؟ ـ أَيْ يَقُولُونَ: قَدْ بَلِيتَ ـ قَالَ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَاكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَام) [1] .
"فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيّد الأنام، ويوم الجمعة سيّد الأيام، فللصلاة عليه في هذا اليوم مزيّة ليست لغيره، مع حكمة أخرى، وهي أن كلّ خير نالته أمّته في الدنيا والآخرة، فإنما نالته على يده الشريفة؛ فجمع الله لأمّته به خيري في الدنيا والآخرة، فأعظم كرامة تحصل لهم، إنما تحصل يوم الجمعة، فإن فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم في الجنّة، وهو يوم المزيد في الجنّة، وهو يوم عيد لهم في الدنيا، ويوم فيه يسعفهم الله بطلباتهم وحوائجهم، ولا يردّ سائلهم، وهذا كلّه عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده - صلى الله عليه وسلم -، فمن شكره وحمده وأداء القليل من حقّه - صلى الله عليه وسلم - أن نكثر من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته" [2] .
وجانب آخر من الحكمة، نراه في استحباب الإكثار من الصلاة والسلام على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وهو يتّصل بإحياء رسالة المسجد بصورة أوثق، ألا وهو أهمّية ربط المؤمن بالله تعالى، وبرسوله - صلى الله عليه وسلم -، ليكون من وراء ذلك في حياة المؤمن صدق الحبّ، وحسن الاتّباع، وكمال التأسّي والاقتداء، ولا شكّ أن الإكثار من الصلاة والسلام على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - سبب من أعظم أسباب تحقيق ذلك.
ومن ذلك يتبيّن لنا أن الأثر الأكبر الذي يكون ليوم الجمعة في إحياء رسالة المسجد، إنما هو في هذا الاجتماع الأسبوعيّ الجامع، واللقاء الإيمانيّ
(1) ـ رواه أبو داود في أبواب الصلاة (1047) والنسائيّ /1357/ وأحمد 4/ 8/ والدارميّ، وصحّحه ابن حبّان (550) والحاكم 1/ 278/ ووافقه الذهبيّ.
(2) ـ"زاد المعاد"، المرجع السابق.