فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 30

وموسى عليه السلام قال الله تعالى له: {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32) } 32: القصص وهي سنة الله في بعثة الرسل يظهر على أيديهم حجتهم.

وجاء الحوار القرآني مقدمًا الدليل والبرهان من الظواهر الكونية موحية بعظمها عظم مكابرتهم ومعاندتهم فجاءت الحجة حسب حالهم فكلما زاد العناد والاستكبار عظم الدليل والبرهان لذا كانت الاستعانة بالظواهر الكونية العظيمة في هذا المجال أرفق طريق لردع الخصم وإسكاته [1] .

ومن الأمثلة على ذلك حوار إبراهيم عليه السلام مع الذي حاجه في ربه بعد أن أوتي الملك فاستعلى وتكبر وادعى شيئًا من صفات الألوهية والربوبية فزعم أنه يحيى ويميت {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِن اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) } 258: البقرة.

فقد فهم إبراهيم عليه السلام شخصية المحاور وعلم أنه مغتر بملكه معمى عن الحقيقة متوهم أنه إله، واستمرار الحوار معه في ظل هذا التوهم والغرور وظل التحايل لا يفيد إلا الخصم الذي سيبدو الأمر حينها كعرض لملكه وعزه .. لذا لجأ إبراهيم عليه السلام إلى الدليل الرادع والمفحم للخصم القاطع لهواه ونشوته في استعراض ملكه.

واختار إبراهيم عليه السلام من الكون الظواهر العظمى المملوكة لله ولا دخل للإنسان فيها ويطالبه بموجب دعواه بإظهار قدرته في الفلك الدائر المسخر لمشيئة الله لتكون مماثلة لقدرة الله [2] .

ووصف سيد قطب رحمه الله تعالى ذلك الموقف بقوله:"عندئذ عدل عن السنة الكونية الخفية إلى سنة أخرى ظاهرة مرئية وعدل عن طريقة العرض المجرد للسنة الكونية والصفة الإلهية في قوله: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} إلى طريقة التحدي وطلب تغيير سنة الله لمن ينكر"

(1) منهج القرآن الكريم في عرض الظواهر الكونية، د. ليلى الزامل ص 71.

(2) المرجع السابق: ص 72.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت