أقسام الحذف:
لدى استقرار صنوف الحذف في الكلام العربي البليغ يظهر لنا أنّه يدور حول حذف جُزْءٍ من الكلمة أو ما يُنَزَّلُ مَنْزِلَة جزئها، كأداة النداء وياء المتكلّم. وحذف جُزْءٍ من الجملة كحذف المسند أ وحذف المسند إليه أو حذفهما، أو حذفِ شيءٍ من متعلّقاتِ الفعل أو ما يَعْمَلُ عمله. وحذف جملة كاملة. وحذف أكثر من جملة.
فالحذف إذَنْ يقع في أربعة أقسام:
القسم الأول: حذفُ جُزْءٍ مِن الكلمة أو ما يُنَزَّلُ منزلة جُزْءِ الكلمة، وذلك في قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (الفجر) : {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) } .
بحذف"الياء"من"يَسْرِي"مراعاة لرؤوس الآيات، دون أن يُوجَدَ مقتضٍ نحويٌّ لهذا الحذف.
وتنبَّهَ إلى هذا القسم وأضافه اقتراحًا إلى أقسام الحذف البلاغي من المعاصرين"د. محمد أبو موسى"في كتابه"خصائص التراكيب"وقد أحسن صُنْعًا.
ويظهر لنا هذا في بعض أنواعٍ من الكلام العربي، ومنه ما نجده في الأبواب التالية:
فمنه ما يُسمَّى الترخيم في باب النداء، فقد يحذف العربيُّ في النداء آخر حرف في الكلمة، أو الحرفين الأخيرَيْن منها، وقَدْ يَحْذِفُ الجزءَ الثانِيَ من جزئي الكلمة المركّبة تركيبًا مزجيًّا، وقد يحذف في الترخيم المضاف إليه.
ومن دواعيه إلى ذلك الإِيجاز، والتحبُّبُ لِلْمُنَادى أحيانًا، ومراعاة جمال فنّيٍّ في نَسَقِ الكلام، وإيثار اللفظ الأخف على اللّسان، إلى غير ذلك.
الأمثلة:
* ومنه حذف ياء المتكلّم.
الأمثلة:
(1) قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (سبأ) :
{وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (45) } ؟.
أي: فَكَيْفَ كَانَ إِنْكَارِي، فحذف من"نكير"، ياء المتكلم، والداعي النَّسَقُ الجمالي في رؤوس الآيات في السورة.
ونظيره في سورة (غافر) : {فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5) } .
أي: فكيف كان عقابي.
وكذلك في سورة (القمر) في عدة مواضع منها: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16) } .
أي: فكيف كان عذابي ونُذُرِي، والداعي في كلّ ذلك مراعاة النسق الجماليّ في رؤوس الآيات.
* ونظير حذف ياء المتكلم حذف حرف العلة في آخر الفعل دون مقتضٍ إعرابي، رعايةً للنسق الجمالي، ومنه قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (الفجر) : {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) } .
الأصل:"واللَّيْلِ إذا يَسْرِي"فحذفت الياء من"يسري"رعاية للنسق الجمالي في رؤوس الآيات ولو لم يُوجَدْ جازم يَقتضي حذفها إعرابيًّا.
القسم الثاني: حذف جزءٍ من الجملة، ويكونُ بحذف المسند إليه، أو حذف المسند، أو حذفهما والاكتفاء بمتعلّقَاتِ الفعل أو ما في معنى الفعل كالمصدر واسم الفاعل، أو حذف غير ذلك من عناصر الجملة، استغناء بما يدلُّ على المحذوف.
وقد ذكر ابن هشام في كتابه"مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب"زيادةً على ثلاثين نوعًا من أنواع الحذف في اللّسان