فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 183

الداعي الرابع: إرادة زيادة تقرير الغرض المسوق له الكلام، لما في صلة الموصول من ظلال دلالاتٍ توحي بوقوع الحدث، إذا قيس بأشباهه في مثل ظروفه، كأن تقول: سرق خزينة القصر الذي يعرف خباياه، ومداخله ومخارجه، وباستطاعته أن يتوصل إلى مفاتيح أبوابه بسهولة، وأنت تقصد شخصًا معيّنًا تعرف اسمه، وتنطبق عليه هذه الأوصاف، فذكرك له باسم الموصول وصتله مما يزيد في تقرير وقوع السّرقة منه، وذلك لأنّ من كان مثله في صفاته كان عُرضةً لأن يسرق الخزينة.

ومن شواهر هذا الداعي قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (يوسف) بشأن مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام واستعصامه بالعفة وبالخوف من الله، وتمنُّعِهِ عن الوقوع في الفاحشة: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) } .

فاختيار ذكر: [الّتِي هُوَ في بَيْتِهَا] دون ذكر اسمها"زليخة"أو ذكر"امرأة العزيز"كما جاء في موضعٍ آخر من السورة، لزيادة تقرير وقوع الحدث، إذْ كونُ يوسف عليه السلام في بيتها، وهي سيّدتُه المطاعة فيه، لا بُدَّ أن يُلاحظ معه أنّها لا تراوده إلاَّ إذا وصَلَتْ إلى ذِرْوة الإِعجاب بشخصه والافتتان بصفاته، بعد مخالطة طويلة رأت فيها من جماله وبهائه وذكائه وشبابه ورجولته وحسن أدبه، وكمال خلقه ما جعلها شغوفة بحُبّه حُبَّ النساء للرجال، وهي ترى أنّ لها عليه سلطان الآمر الناهي، وأنّ عَلَيْه أن يُحَقِّق لها مطالِبَها منه.

ومع زيادة التقرير هذه نلاحظ مضمون الثناء على عفّة يوسف عليه السلام، واستعصامه وطاعته لربّه، إذ استطاع مع وجود كلّ الدواعي الدافعة بقوّةٍ إلى الخطيئة، أَنْ يَصْمُدَ أمام كلّ مثيرات الإِغراء، وأنْ يتحَدَّى سلطةَ سيّدة القصر الّتي تريد تحقيق رغبتها ولو بالقوّة.

الداعي الخامس: إرادة التفخيم والتعظيم أو التهويل، وذلك لأنّ الإِبْهام الذي قد يوحي به اسم الموصول مع صلته أحيانًا يوماء إلى ذلك.

* ومنه قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (طه) : {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لاَّ تَخَافُ دَرَكًا وَلاَ تَخْشَى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) } .

أي: فَغَشِيَى فرعَوْنَ وجُنُودَه من الْيمّ مَا غَشِيَهُمْ منْ أمْرٍ مَهُولٍ جدًّا، فدَلَّ الإِبهام في الموصول وصلته عَلى عِظم الأمر المهول الذي غشيهُمْ.

* ونظيره قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (النجم) : {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54) } .

المؤتفكة: أي: المنقلبة، وهي قُرَى قوم لوط.

فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى: أي: فنزل عليها من فوقها شيءٌ مهولٌ عظيم سترها كلَّها فدمّرها تدميرًا شاملًا، فدلّ الإِبهام في الموصول وصتله على عِظَم الأمر المهول الذي غشَّى قرى قوم لوط المنقلبة عاليها سافلها.

* وقول الله عزَّ وجلَّ في سورة (النجم) أيضًا بشأن نفيخم وتَعْظِيم ما يَغْسَى سِدْرَةَ المنتَهَى، فوق السماوات السّبع:

{وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى (14) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) } .

أي: إذْ يَغْشَى السّدْرة شيءٌ فخم عظيم لا تستطيع الأوهام أن تتخيّله.

الداعي السادس: الإِشارة إلى أنّ الوصف الذي دلّت عليه صلة الموصول هو علة بناء الحكم في الجملة، هذا نظير قول علماء أصول الفقه: بناء الحكم على المشتقّ يُؤْذن بعلّيَة ما منه الاشتقاق.

والإِشارة أيضًا إلى أن الوصف الذي دلّت عليه صلة الموصول يقتضي الالتزام بالتكليف الذي يأتي بعده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت