حَسُن في الكلام حَذْفُ الوصف الدالّ على الكثرة، والاكتفاء بدلالة التنكير مع دلالة قرينة الحال أو قرينة المقال.
أمثلة
* قول الله عزَّ وجلَّ لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم في سورة (آل عمران) {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (184) } .
لفْظُ: [رُسُل] نكرة، وقرينةُ تسْلِيَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم تدُلُّ على أنَّهم رسُلٌ كثيرون قَدْ كُذِّبوا من قِبَلِ أقوامهم.
* قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (الأعراف) ، بشأن تقطيع بني إسرائيل في بلدان كثيرة من الأرض:
{وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا ... } [الآية 168] .
أي: أُمما كثيرةً في بلدان من الأرض كثيرة.
* ومنه"إِنَّ المتَّقِينَ في جنَّاتٍ وعُيُونٍ - أَمَدَّكُمْ بأَنْعَامٍ وَبَنِين وَجَنَّاتٍ وعُيُون - كَمْ تَرَكُوا من جَنَّاتٍ وعُيُونٍ وَزُرُوعٍ ومَقَامٍ كَرِيم-".
الداعي الخامس: وقد يختار المتكلم النكرة قاصدًا بالتنكير التقليل، وتدُلُّ القرائن على قصد التقليل، وإذْ دلَّت القرائن عليه حَسُنَ في الكلام حذف الوصف الدالّ على القلّة، والاكتفاء بدلالة التنكير مع دلالة قرينة الحال أو قرينة المقال.
أمثلة
* قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (التوبة) :
{وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) } .
جاءَ لفظ"رِضْوانٌ"مُنْكَرًا، وقرينة كونه من الله مع كونه أكبر من كلّ ما في جنّات عَدْنٍ مِنْ نعيم دليلٌ على أنّ المراد: ورضوانُ قليلٌ من اللهِ يُفْرِغُهُ على أهل جناتِ عَدْنٍ هو أكثر عندهم وأعظم من كلِّ ما فيها من نعيم.
وقد تنبّه علماء البلاغة إلى أنه لم يرد في القرآن سلامٌ من جهة اللهِ إلاَّ مُنكّرًا، لأنَّ سلامًا قليلًا من جهته عزَّ وجلَّ كافٍ لتحقيق كُلّ ما يطلُبُهُ العبادُ مِنْ أمن أو تحيَّة، مثل:"سلامٌ عليكم بما صَبَرْتُم - سَلامٌ قولًا من ربٍّ رَحِيمٍ - سلامٌ على نوح - سلام على إبراهيم - سلامٌ على موسى وهارون - وسلام على المرسلين - فَسلآمٌ لَكَ مِنْ أصْحَابِ الْيَمين".
قالوا: وأمّا عيسى عليه السلام: {وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) } كما جاء في سورة (مريم) فقد جاء مُعَرَّفًا لأنَّه ورد على لسان عيسَى الطفل في دعائه لنفسه، بخلاف الذي ورد بشأن يحيى عليه السلام في السورة نفسها نيانًا صادرًا عن الله عزَّ وجلَّ، إذْ جاء فيه قوله تعالى:
{وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًا (15) } .
* قول المتنبّي يمدح سيف الدولة:
*فَيَوْمًا بِخَيْلٍ تَطْرُدُ الرُّومَ عَنْهُمُ * وَيَوْمًا بِجُودٍ يَطْرُدُ الْفَقْرَ والْجَدْبَا*
نكّر لفظ"خيل"ونكّر لفظ"جود"وهو يريد: بعدد قليل من الخيل، وبمقدارٍ قليل من الجود، وقد دلّ التنكير فيهما على التقليل ما في السّباق والسّياق من المدح والإِطراء البالِغَيْن من المتنبيّ لسيف الدولة، وهذا يقتضي أن يطرد الروم بقليل من خيله، وأن يطردَ جودٌ قليلٌ منه الفقر والجدْبا.
الداعي السادس: وقد يختار المتكلم البليغ النكرة قاصدًا بالتنكير التعظيم، وتدلُّ القرائن على قصد التعظيم، وإذْ دلّت القرائن عليه حَسُنَ في الكلام حذف الوصف الدالّ على التعظيم، والاكتفاء بدلالة التنكير مع دلالة قرينة الحال أو قرينة المقال.