ريحًا صَرْصَرًا: أي: شديدة البرودة ذَات صَوْت.
أعجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِر: أي: أصُول نَخُلٍ مُنْقَلِعٍ من مَنْبِتِه، بادِيَةٍ أَسَافِلُهُ المتشعّثة الممزّقة.
* وأمّا عَرْضُ مُوجَزِ إِهْلاَكِ ثَمُودَ فَقد جاءَ بطريقةٍ مُخْتَلِفَة عمّا سبَق، فقالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ في هذا العرض:
{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ * فَقَالُو ا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ * أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} .
وبَعْدَ هذا يُقَدِّم النَّصُّ قولًا مُقْتطعًا من الحدَثِ إبّانَ حُدوثِهِ في الماضي فقال الله عزَّ وجلَّ فيه:
{سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ * إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ * وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} .
الشِّرْبُ: وقْتُ الشُّرْبِ، والنَّصِيبُ من الماء.
هذا القول كان قد وجَّهَه الله عزَّ وجلَّ لرسولهم صالح عليه السّلام، قُدِّمَ هُنَا مقتطَعًا من الحَدَثِ الماضي، دون مقدّمَاتٍ تُشِيرُ إلى ذلكِ، وبعده عادَ النصّ، إلى حكاية القصّة، فقال تعالى:
{فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ} .
أي: فمتطَّى متطاولًا قائمًا على أطراف أصابع رجْلَيْهِ رافِعًا يَدَيْهِ، فعقَرَ نَاقةَ الله، وبعْدَ هذا البيان وجّه الله عزَّ وجلَّ السؤال السّابق فقال تعالى:
{فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} ؟؟.
وأجابَ عليه بقوله: {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} .
إنّه مع التّشابُهِ في الْهَيكل العام، نُلاحظ أنّ الأساليب اختلفت وتنوّعَتْ.
* وأمّا عرضُ مُوجَزِ إهْلاكِ قَوم لُوطٍ عليه السلام، فقد جاء أيضًا بطريقَةٍ مختلفة، مع التناظُرِ في الهيكل العامّ كما سبق، فقدّم الله عزَّ وجلَّ صُورة إهلاكهم قبْلَ عَرْضِ أعمالِهِم، على خلاف ما جاء في موجز قصّة ثَمُود، إذْ جاء عرضُ أعْمالهم قَبْل عرْضِ صُورةِ إهْلاَكهم، فقال الله عزَّ وجلَّ:
{كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ * إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ * نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ * وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ * وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ * فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ} .
ولَمْ يُورِدِ اللَّهُ عزَّ وجلَّ هنا السؤالَ السابق، إذ جاء هُنَا تكْرِيرُ عبَارَة: {فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ} وهي عبارة مقتطعة من الحدَث الماضي.
وأمّا إهلاكُ فرْعَوْنَ وآلِهِ وجُنُودِه، فقد جاء موجزًا جدًّا بعبارة:
{وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ} .
لقد جاء هذا البيان بطريقة مختلفة عما سبَق، مع بقاء التشابه والتناظُر في الهيكل العام، كما نشاهد اختلاف السِّمَاتِ والْخَصَائِصِ في أفراد المخلوقات، مع تشابه أفراد النوع الواحد في الهيكل العامّ.
وهذا من إعجاز القرآن وأدبه الرفيع.
التكامُل في أساليب البيان القرآن بين الأشباه والنظائر
من روائع الإِبداع في البيان القرآني ما يُمْكِنُ أن نُطْلق عليه اسم"التكامل في الدلالات بين الأشباه والنظائر"وهو تخصيص كلِّ صِنْفٍ من الأشباه والنظائر في النّصّ بتعبيرٍ يُفيدُ معنىً خاصًّا، وهذا التعبير يصْلُح اطّرادُه في سائر الأشباه والنظائر، وبتوزيع التعبيرات ذوات الدّلالات المختلفات على الأشباه والنظائر يحصُل الاستغناء عن إعادةِ كُلّ