فيها، وكان ذلك بطلب منه وتكليف من الحاجب [1] المصحفي.
وصار قائد الشرطة في قرطبة، حتى زادت شعبيته فيها، وأثبت وجوده وصار يأمر وينهى في القصر، بل وفي قرطبة.
استطاع أن يقضي على كثير من الصقالبة (وهم خدم القصر) ويبلغ عددهم (800) تقريبًا ورؤساؤهم اثنان هما (جؤذر وفائق) لأن لهم تأثيرًا كبيرًا في إدارة شئون الدولة.
ثم حجب الخليفة هشامًا الملقب بـ (المؤيد) عن أنظار الناس، واستصدر أمرًا بإبعاد الحاجب المصحفي [2] وطرده، وأهانه وسجنه ومحا أثره من الدولة، وجرده
(1) معنى الحاجب: يعني أنه أصبح بمثابة وزير الدولة، أو رئيس الديوان الملكي، وهو الوزير الخاص للخليفة الذي لا ينفذ أمر للخليفة إلا بعلمه وموافقته و لا يدخل أحد على الخليفة إلا بإذنه.
(2) هو جعفر بن عثمان أبو الحسن الوزير الحاجب المعروف بابن المصحفي كان من أهل العلم والأدب البارع، وكان هو الناظر في أمور الدولة قبل المنصور وقد توفي، وقيل بل قتله المنصور سنة (372) هـ لأشياء كثيرة نقمها وأخذها عليه، وله شعر كثير يدل على طبعه وسعة أدبه، من شعره وهو يرثي حاله بعد نكبته:
لا تأمننّ من الزمان تقلبًا ... إن الزمان بأهله يتقلب
ولقد أراني والليوث تخافني ... فأخافني من بعد ذاك الثعلب
حسب الكريم مذلة ومهانة ... أن لا يزال إلى لئيم يطلب
وإذا أتت أعجوبة فاصبر لها ... فالدهر يأتي بالذي هو أعجب
وكتب لأبي عامر المنصور وهو في السجن يستعطفه بقوله:
هبني أسأت فأين العفو والكرم ... إذ قادني نحوك الإذعان والندم
يا خير من مدت الأيدي إليه أما ... إن الملوك إذا ما استرحموا رحموا
بالغت في السخط فاصفح صفح مقتدر ... ترثي لشيخ رماه عندك القلم
فرد عليه أبو عامر المنصور بقوله:
الآن يا جاهلا زلت بك القدم ... تبغي التكرم لما فاتك الكرم
ندمت إذ لم تفز منا بطائلة ... وقلما ينفع الإذعان والندم
أغريت بي ملكًا لولا تثبته ... ما جاز لي عنده نطق ولا كلم
فايأس من العيش إذ قد صرت في طبق ... إن الملوك إذا ما استنقموا نقموا
نفسي إذا جمحت ليست براجعة ... ولو تشفع فيك العرب والعجم