الصفحة 30 من 89

صديقك من غير مؤامرته لم يكن بذلك بأس. وقال معمر: قلت لقتادة: ألا أشرب من هذا الحُبِّ [1] قال: أنت لي صديق! فما هذا الاستئذان. وكان - صلى الله عليه وسلم - يدخل حائط [2] أبي طلحة المُسمَّى بـ «بَيْرَحَا» ويشرب من ماء فيها طيِّبٍ بغير

إذنه، على ما قاله علماؤنا، قالوا: والماء متملَّك لأهله. وإذا جاز الشرب من ماء الصديق بغير إذنه جاز الأكل من ثماره وطعامه إذا علم أنَّ نفس صاحبه تطيب به لتفاهته ويسير مؤنته، أو لما بينهما من المودة. ومن هذا المعنى إطعام «أُمِّ حرام» له - صلى الله عليه وسلم - إذ نام عندها [3] ، لأن الأغلب أن ما في البيت من الطعام هو للرجل، وأن يد زوجته في ذلك عارية. وهذا كله ما لم يتخذ الأكل خبنة [4] ، ولم يقصد بذلك وقاية ماله، وكان تافهًا يسيرًا. وقال أيضًا: قرن الله - عز وجل - في هذه الآية الصَّديق بالقرابة المحضة الوكيدة، لأن قرب المودَّة لصيق.

قال ابن عباس في كتاب النَّقَّاش: «الصَّديق أوكد من القرابة، ألا ترى استغاثة الجهنَّميِّين» : قال تعالى: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ. وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [الشعراء: 100 - 101] .

(1) الحب: الجرة أو الضخمة منها. (القاموس 1/ 178) .

(2) الحائط: البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو الجدار، (النهاية 1/ 462) .

(3) رواه البخاري (2788، 2789) ، ومسلم (1912) .

(4) الخبنة: معطف الإزار وطرف الثوب، أي ما لم يتخذ منه في ثوبه، يقال: أخبن الرجل إذا خبأ شيئًا في خبنة ثوبه أو سراويله. قاله في النهاية (2/ 9) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت