أريد أن أعرض عليك أمرًا أحبُّ ألَّا تعجلي فيه حتَّى تستشيري أبويك»؛ وفاءً منه لهذه الزوجة التي هي حديثة السنِّ، وقد تغفل من هي في سنِّها مصلحتها الكاملة، وتلا عليها الآية، لكنها
رضي الله عنها، وهي التي عاشرته ورأت عظيم أخلاقه وروائع سجاياه - لم تكن أبدًا لتختار غيره - صلى الله عليه وسلم -، ولو كانت الدنيا وزينتها كلها؛ فتعلنها صريحة واضحة مجلجلة: «أفيك يا رسول الله أستشير أبويَّ؟!! بل أختار الله ورسوله والدَّار الآخرة» .
ثم قالت رضي الله عنها: «وأسألك ألَّا تخبر امرأةً من نسائك بالَّذي قلت» . قال: «لا تسألني امرأةٌ منهنَّ إلَّا أخبرتها؛ إنَّ اللهَّ لم يبعثني متعنِّتًا ولا متعنِّتًا، ولكن بعثني معلِّمًا ميسِّرًا» [1] .
• وإنما كان يخبرهن بهذا الذي اختارته رضي الله عنها؛ لأنه هو الخير، وهو - صلى الله عليه وسلم - لا يريد لهنَّ إلا الخير؛ وفاء لهنَّ على صبرهنَّ على لأواء المعيشة التي كان عليها، وطول الصحبة التي أمضينها معه [2] .
• وأما وفاؤه - صلى الله عليه وسلم - لأقاربه؛ فقد بلغ قمة الوفاء في الكمال والعظمة!! هذا مع بقائهم على كفرهم وشركهم!!
وقصة وفائه لعمه أبي طالب، الذي رباه صغيرًا إلى أن بلغ أشدَّه، بعد وفاة جدِّه عبد المطلب، ثم نصرته له ومنعه إياه من سفهاء قومه وتعرضهم له، فلمَّا حضرت أبا طالب الوفاة، وهو على شركه، اهتزت مشاعر الوفاء في نفس سيد الأوفياء - صلى الله عليه وسلم - فكان حريصًا أشدَّ
(1) أخرجه مسلم (1478) .
(2) أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - في القرآن والسنة، أحمد الحداد (2/ 567) ، بتصرف.