القرآنية أو الأبيات الشعرية، وأعني بعدم الاطراد إن الحرف خارج ذاك السياق لا يؤدي ذلك المعنى الذي أشاروا له، وإنما هو يؤدي ذلك المعنى داخل النص الخاص الذي ورد فيه، وكان لبعض العلماء فهمهم الخاص لبعض الخطاب القرآني، وكان هذا الفهم يسمح لهم بالتوسع في فهم تلك النصوص، ما يولد معاني جديدة قد لا يرغب غيرهم في الوصول إليها. وسنتتبع تلك المعاني التي ذكروها لنتبيَّن ما قيل فيها.
المعنى الأول الذي ذكر لها بعد معناها العام هو البدل واستشهدوا له بقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} (البقرة: من الآية 48) ، ومنه ما يروى عن النبي (:(( صُوْمِي عَنْ أمِّكِ ) ) [1] ، أي (بدل أمك) ، إن معنى المجاوزة والبعد في النصيين ملحوظ، فمعنى الآية لا تُقابل مكروهها بشيء يدرؤه أي يبعد عنها المكروه ويتجاوز بها العذاب، ولا تجزي أي لا تغني عنها [2] ، وكذا معنى الحديث صومي عن أمك تجاوزا عنها وإبعادا للمكروه عنها. إن السياق وظَّف الحرف ليوصل فضلا عن معناه الذي هو المجاوزة معنى البدليَّة، ومعنى البدليَّة معنى هامشي يؤديه (عن) داخل هذه الآية، فإن أخرج منها فليس له تلك القدرة على إيصال هذا الجزء من المعنى.
وذكر لها معنى الاستعلاء، نحو قوله تعالى: {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي} (ص: من الآية 32) ، أي قدمته عليه [3] ، وحمل عليه قول ذي الإصبع العدواني (ت 22 أو 25 ق. هـ) [4] :
(البسيط)
لاهِ اِبنُ عَمِّكَ لا أَفضَلتَ في حَسَبٍ ... عَنّي وَلا أَنتَ دَيّاني فَتَخزوني
أي (لا أفضلت في حسب عليَّ) [5] . ولما كان الاستعلاء هو معنى (على) الرئيس قال بعضهم إن الحرفين تناوبا أو قال بعضهم إن الفعل (أحببت) تضمن معنى الفعل (آثرت) ، قال أبو حيان: (( وانتصب حب الخير، قيل: على المفعول به لتضمن أحببت معنى آثرت، قاله الفرّاء. وقيل: منصوب على المصدر التشبيهي، أي أحببت الخيل كحب الخير، أي حبًا مثل حب الخير. وقيل: عدى بعن فضمن معنى فعل يتعدى بها، أي أنَبْتُ حب الخير عن ذكر ربي، أو جعلت حب الخير مغنيا عن ذكر ربي. ) ) [6] ، فأبو حيان يقول بمبدأ التضمين الذي بيناه في التمهيد، وإن الحرف باق على معناه والفعل ضُمِّن معنى فعل آخر يتعدى بهذا الحرف، وقال ابن هشام ناقلا ردِّ العلماء على من قال بمبدأ التناوب: (( وقيل هي على بابها، وتعلقها بحال محذوفة، أي:(منصرفا عن ذكر ربي) ، وحكى الرماني عن أبي عبيدة: أنَّ (أحببت) من (أحبَّ البعير إحبابا) إذا برك فلم يثر؛ فعن متعلقة به باعتبار معناه التضميني، وهي على حقيقتها، أي (إني تثبطت عن ذكر ربي) ، وعلى هذا فحب الخير مفعول لأجله. )) [7] ، ابن هشام وأبو حيان وأمثالهم يؤكدون بقاء الحرف على معناه العام، عن طريق القول بالتضمين. وأنا أعتقد أنَّ نظرية المعنى العام المركزي القابل للتلون بحسب ضرورات السياق أكثر ملاءمة للنص القرآني من نظرية التضمين التي تقود إلى تجميد النص في حين تضمن لنا نظرية المعنى العام التي أعتقد بها حركية دائمة ومستمرة للنص، فكل مفسر تتوافر أمامه قرائن معينة يستطيع أن يحمل الحرف معاني هامشية يتمكن من تأديتها داخل السياق.
(1) - ظ: السنن الكبرى (البيهقي) : 4\ 151.
(2) - ظ: التبيان 1\ 211، مجمع البيان:1\ 201، جوامع الجامع: 1\ 102، التبيان في إعراب القرآن: 1\ 35.
(3) - ظ: معاني الحروف:95، الجنى الداني:262، تناوب حروف الجر في لغة القرآن:105، نظرية الحروف العاملة:189.
(4) - ديوان ذي الإصبع العدواني: 89.
(5) - ظ: المخصص:14\ 66، ارتشاف الضرب:2\ 447، التضمين بين حروف الجر في القرآن الكريم: 112.
(6) - البحر المحيط: 150 - 185.
(7) - مغني اللبيب: 196 - 170، وينظر معه المصدر المتقدم.