عند الله، فناسب المقام أن يخاطبه الحق تعالى نيابة عن أمته، إعلاءً لشأنه وإظهارا لمنزلته، وذلك في مثل قوله تعالى [1] : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} (الطلاق: من الآية 1) .
وإذا نظرتُ إلى أشعار أصحاب المعلقات لا أرى فيها خطابا موجها إلى البشر كلهم، فضلا عن توجيه خطاب إلى معشر الجن، مع أنهم رووا لنا أشعارا نسبوها إلى هذا العالم [2] ، وذلك لأن الشاعر لم يكن من همه و وكده إصلاح البشرية، أو رعاية مصالحها، فهذا ليس من شأن الشاعر. نعم قد تكون نظرته تسع القبيلة فقد خاطب بعضهم قبائلهم أو غيرها طالبين ومحذرين أو منذرين من بعض الأخطار، لكن خطاب البشرية لم يكن يعنيهم، من ذلك قول امرئ القيس [3] :
(الطويل)
أَلا يا أهلَ كِندَةَ اقتُلوا بِابنِ عَمِّكم ... و إِلاَّ فَمَا أَنتُم قَبيلٌ ولَا خَوَلْ
ومن ذلك أيضا قول عنترة [4] :
(الخفيف)
يا بَني عامِرٍ سَتَلقَونَ بَرقًا ... مِن حُسامي يُجري الدِماءَ سِجاما
ومن خلال قلَّة النداءات الموجه إلى الجماعة وليس إلى الفرد، قد نستطيع القول: إن النظرة الشمولية للإنسان التي تهتم بالمصلحة العامة لبني البشر كانت قليلة عند هؤلاء الشعراء، وليس هذا عيبا فيهم؛ لأن حياتهم كانت قائمة على التجزئة القبلية، وكيانهم كان يحترم الذاتية الفردية.
وقد لا يكون إظهار المُنَادَى ضروريا عند الشاعر في الكلام فيحذفه كما في قولهم: (يا ربَّ) أو (يا عجبا) أو (يا لهف) ، وهذه من المواضع التي قال عنها بعض النحويين إنها للتنبيه لا للنداء، ولم أره مناسبا، ومنه قول امرئ القيس [5] :
(الطويل)
فَإِن أُمسِ مَكروبًا فَيا رُبَّ بَهمَةٍ ... كَشَفتُ إِذا ما اِسوَدَّ وَجهُ جَبانِ
وَإِن أُمسِ مَكروبًا فَيا رُبَّ قَينَةٍ ... مُنَعَّمَةٍ أَعمَلتُها بِكِرانِ
وَإِن أُمسِ مَكروبًا فَيا رُبَّ غارَةٍ ... شَهِدتُ عَلى أَقَبِّ رَخوِ اللَبان
فالشاعر هنا قد ينادي قومه أو صاحبه أو صاحبيه، ليس هذا هو المهم عنده، النقطة التي يريد الشاعر التنبيه عليها هي كثرة لهوه بالقينة، أو كثرة كشفه عن الأمور العظيمة العويصة، أو كثرة الغارات التي كان يشنها، وفي هذه الأشياء منتهى اللذة والتحدي عنده، إبراز الشيء المُنَبَّه عليه هو مُرَادَهُ هنا، لكن مَنْ المُنَبَّه؟ المنبه كلُّ من يستمع كلامه.
وقد تكرر هذا عند طرفة في إظهار عجبه قائلا [6] :
(1) - ظ: مفاتيح الغيب: 30\ 558، الميزان: 19\ 312.
(2) - ظ: البيان والتبيين: 1\ 289 - 290، الحيوان:6\ 172 - 230.
(3) - ديوان امرئ القيس:469.
(4) - ديوان عنترة (فوزي عطوي) : 182.
(5) - ديوان امرئ القيس: 86، وينظر معه شرح الأشعار الستة الجاهلية: 1\ 230 - 231.
(6) - ديوان طرفة بن العبد:94، ديوان طرفة (درية الخطيب) :106.