فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 327

وعلى عكسِ ذلك الذلُّ، فالذليل الذي لَحقه عارُ الذِّلَّةِ والصَغَار والهوان؛ إنَّما كان مُحصِّلةَ الضَعف والخَوَر والجُبْن الذي كان عليه، نشأةً أو اكتسابًا، أو واقعًا اجتماعيًّا يُعايشهُ، وهكذا ...

ولذلك نبَّهَ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى شيءٍ من ذلك المعنى _ مِن أنَّ القوَّةَ حسيَّةً كانت أو معنوية خيرٌ وأحبُّ إلى الله - عز وجل - مِن الظهور بالضعفِ والعجز، وفي كلٍّ خير _، قال - صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللَّهِ من الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وفي كُلٍّ خَيْرٌ ... » [1] .

قال النووي [2] : (وَالْمُرَاد بِالْقُوَّةِ هُنَا عَزِيمَة النَّفْس وَالْقَرِيحَة فِي أُمُور الآخِرَة، فَيَكُون صَاحِب هَذَا الْوَصْف أَكْثَر إِقْدَامًا عَلَى الْعَدُوّ فِي الْجِهَاد، وَأَسْرَع خُرُوجًا إِلَيْهِ، وَذَهَابًا فِي طَلَبه، وَأَشَدُّ عَزِيمَة فِي الأَمْر بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر، وَالصَّبْر عَلَى الأَذى فِي كُلّ ذلِكَ، وَاحْتِمَال الْمَشَاقّ فِي ذات اللَّه تَعَالَى، وَأَرْغَب فِي الصَّلاة وَالصَّوْم وَالأَذْكَار وَسَائِر الْعِبَادَات، وَأَنْشَط طَلَبًا لَهَا، وَمُحَافَظَة عَلَيْهَا، وَنَحْو ذلِكَ.

وَأَمَّا قَوْله - صلى الله عليه وسلم: (وَفِي كُلّ خَيْر) فَمَعْنَاهُ فِي كُلٍّ مِنْ الْقَوِيّ وَالضَّعِيف خَيْر لاشْتِرَاكِهِمَا فِي الإِيمَان، مَعَ مَا يَأْتِي بهِ الضَّعِيف مِنْ الْعِبَادَات) [3] .

وبالتالي كانت القوَّة المنسوبة للمؤمن مَعْلَمًا مِن مَعالِم العزَّة، والضَعف المنسوبة إليه علامةً على المذلَّةِ والهوان.

الأمر الثاني: أن دوافع العزَّة شريفة المطلب، بخلاف الذلِّ فدوافعه مذمومة.

(1) : أخرجه مسلمٌ في (( صحيحه ) ): (4/ 1629) ، برقم: (2664) ، في كتاب: (القدر) ، باب: في الأَمْرِ بِالْقُوَّةِ وَتَرْكِ الْعَجْزِ والاستعانة بِاللَّهِ وَتَفْوِيضِ الْمَقَادِيرِ لِلَّهِ.

(2) : هو يَحيى بن شرف بن مُرِي بن حسن الحِزَامي الحوراني، النووي، الشافعي، أبو زكريا، محيي الدين: علامة بالفقه والحديث، مولده ووفاته في نوا (من قرى حوران، بسورية) واليها نسبته، من كتبه: (( المنهاج في شرح صحيح مسلم ) )، و (( الأذكار ) )، و (( منهاج الطالبين ) )، توفي سنة: (676 هـ) . (( الأعلام ) ): (8/ 149) بتصرف.

(3) : (( المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ) ): (م 8، ج 16/ 175، 176) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت