الصفحة 58 من 93

لقاء حول أحداث رفح ...

مع الشيخ حسين بن محمود

24 شعبان 1430هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

قام أحد الإخوة جزاه الله خيرا بجمع ما وجده في الشبكة من أخبار وتحليلات ومراسلات الإخوة في المنتديات والمواقع الإخبارية ورتبها وحذف المكرر منها والغير لائق من الكلام في ملف ثم أعطاه الشيخ حفظه الله ليطلع عليه، وأخبره بأن الإخوة يريدون لقائه الليلة حتى يسمعوا منه رأيه فيما يحدث في غزة.

وكان اللقاء ... وقد قمنا بنقل الكلام العامي إلى العربية حتى يكون أقرب للفهم.

أحد الإخوة: نريدك يا شيخ أن تكتب في الموضوع فكثير من الشباب يتسائلون عن موقفكم من حماس بعد هذه الأحداث.

الشيخ: وماذا أكتب!

الأخ: تكتب عن حقيقة حماس وما يجري في الساحة وموقف المسلم من الأحداث.

أخ آخر: يا شيخ: اسمح لنا بتسجيل اللقاء ونقله على الشبكة بعد تفريغه.

الشيخ: لا بأس، مع تحري الدقة في التفريغ.

الأخ: إن شاء الله.

أحد الإخوة: هل قرأت يا شيخ التقرير الذي أعطاكه ؟

الشيخ: نعم.

الأخ: ما رأيك فيه؟

الشيخ: أكثر الكلام عن مجاهيل لا أعرفهم.

الأخ: ما رأيك في الإخوة في مسجد ابن تيمية برفح؟

الشيخ: من أي ناحية؟

الأخ: من ناحية دعوتهم؟

الشيخ: لقد فاجؤونا بإعلان هذه الدعوة بهذه الطريقة، كما فاجؤوا الجميع. الأمر حدث بسرعة.

الأخ: نعرف يا شيخ أنه تصلك الأخبار من غزة.

الشيخ: انقطع من كان يرسل لنا الأخبار منذ فترة. ولكن: هل تعرفهم أنت؟

الأخ: نعم.

الشيخ: تعرفهم معرفة شخصية أم من خلال الشبكة؟

الأخ: من خلال الشبكة.

الشيخ: نقلًا عن عدول ثقات؟

الأخ: نقلًا عن الإخوة بمعرفاتهم المعتادة.

أخ آخر: بعض الإخوة شبّه هذه الأحداث بالمسجد الأحمر.

الشيخ: يجب أن تعرفوا الحيثيات والدعوات وصدق الأفراد قبل الحكم. أنتم الآن لا تعرفون الإخوة في مسجد ابن تيمية ولم يتكلم فيهم من تعرفون وتثقون به. المسجد الأحمر فيه علماء معروفون عند العامة الخاصة وعند قادة المجاهدين.

أحد الإخوة: أنت تعرف بعضهم يا شيخ.

الشيخ: أنا لا أتكلم عن نفسي. أنتم الآن حكمتم عن غير علم، كان ينبغي عليكم التحري وسؤال أهل العلم الثقات، ثم تحكمون.

الأخ: بعد أحداث المسجد الأحمر تكلم قادة الجهاد في الأمر.

الشيخ: إذا تكلم القادة في الأمر فهم ثقات عدول أهل علم، فالأمر هنا تغيّر.

أحد الإخوة: نريد معرفة رأيك يا شيخ في الموضوع.

الشيخ: ليست عندي جميع الحقائق، ولكن أرى أن الإخوة تسرعوا في الأمر، والمعلومات القليلة التي عندي تشير إلى أن هنية ليس عنده حكمة أحمد ياسين والرنتيسي، ولو كان أحدهما حي لما وافق على ما فعلته حماس.

أخ: يعني أن تشكك في الإخوة في المسجد؟!!

الشيخ [وقد تغيّر وجهه] : لا تقوّلني ما لم أقل.

أخ: قتلوهم بدم بارد.

الشيخ: أنت شهدتَ هذا؟

الأخ: لا

الشيخ: سبحان الله!

أخ: ماذا كان يجب فعله يا شيخ؟

الشيخ: كان يجب أن يتوسط بعض العقلاء بين الجماعتين ليوقفوا هذه الكارثة من بدايتها، ولا أدري أين جماعة الجهاد وعلماء غزة عن هذه الأحداث! لماذا سكتوا؟

أخ: ألا ترى أن حماس مخطؤون؟

الشيخ: لو لم يكن في الأمر إلا السياسة المجرّدة لكانوا مخطئين، فهؤلاء الشباب يعرف الناس بأسهم، ولو أنهم تفاهموا معهم وكسبوهم أو على الأقل تركوهم لكانوا شوكة في حلوق يهود ولكانوا ورقة ضغط ومساومة، هذا من الناحية السياسية البحتة، وكان يكفيهم إرسال بعض العلماء إليهم والتفاوض معهم. أما من الناحية الشرعية فلا شك أن هذا الإقتتال خطأ كبير وخطير.

أخ: يا شيخ، هل تعرف الإخوة في هذا المسجد. نريد جوابًا شافيًا.

الشيخ: الجواب ربما يأتيك ممن هو أفضل مني وأعلم.

أخ: الإخوة في المنتديات كفّروا حماس والقسام وكل من قتل هؤلاء الإخوة.

الشيخ: حماس تتجه من السيء إلى الأسوأ في مواقفها تجاه المجاهدين، نسأل الله لنا ولهم الهداية، وتصريحات بعض ناطقيها وغمزهم للمجاهدين بعيد كل البعد عن الحكمة وفيه ضرر كبير عليهم.

أخ: ألا ترى يا شيخ أن الإخوة معهم حق في تكفير حماس؟

الشيخ: قلت لكم مرات عديدة بأن التكفير ليس بهذه السهولة، وهذا تكفير عين لا نوع فقط، وعلى الإخوة أن لا يقتحموا هذا الأمر بدون علم ومعرفة، فالحكم قد يحور على المفتي كما في الحديث، وبعض الإخوة يتجرأ على مثل هذا، ولعل الجبن هنا أفضل لدين المرء من الجرأة.

أخ: نريد أن نتخذ موقفًا حازمًا تجاه الأحداث.

الشيخ: انتظروا قادتكم وما يقولون.

أخ: إلى متى ننتظر يا شيخ؟

الشيخ: حتى يأتي البيان من القادة، فهم أدرى بالوضع وأعلم بما يجب فعله.

أخ: لماذا ننتظر البيان والأمر واضح كالشمس!

الشيخ: إذا كان الأمر عندك واضح كالشمس فلا تنتظر أحدا. أما من كان مثلي فينتظر.

أخ: ألا نغضب! الدماء يا شيخ تغلي.

الشيخ: لا شك أن المسلم يغضب لقتل أخيه المسلم. أنا لا أقول لا تغضب، ولكن أقول: اصبر.

أخ: ماذا نقول للذين يكفّرون حماس والقسام؟

الشيخ: لا تقولوا شيئًا، لأنهم لن يسمعوا الآن والدماء تغلي، كما قال أخونا

الأخ: يعني نسكت؟

الشيخ: لا تسكت. ادع الله أن يحقن دماء المسلمين، وأن يأخذ على أيدي الظالمين، وأن يهدي عصاة المسلمين، وأن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته.

أخ: البعض يدعوا لأخذ الثأر لدماء الإخوة.

الشيخ: يثأروا ممن!

الأخ: من حماس والقسام.

الشيخ: اذا اشتغل هؤلاء ببعض: فمن يقف في ثغور غزة في مواجهة اليهود؟

الأخ: يعني يسكتوا عن هذه الدماء؟

الشيخ: إن صدق الإخوة في دعواهم فهم شهداء.

أخ: قل لنا يا شيخ بصراحة: ما رأيك في حماس الآن، نريد جوابًا شافيًا.

الشيخ: حماس غرقت في مستنقع الحكومات: المصرية، والسعودية، والإيرانية، وهذه من أخبث حكومات العالم الإسلامي اليوم، وقيادة حماس هذه شابة لا تُدرك مدى مكر وخبث هؤلاء، ولا أدري كيف لم تُدرك هذا بعد، حتى بعد موقف حكومة مصر من حصار غزة وإغلاقها المعابر وتصريحات المسؤولين فيها! وإن كانت حكومة حماس لم تُدرك الأمر فأين عقل وفطنة أهل غزة، الأمر أوضح من أن يُبيَّن.

الأخ: لو تبيّن بوضوح أكثر يا شيخ.

الشيخ: هذه الحكومات مسكت حماس من اليد التي توجعها، فهي التي تدعم حماس ماديًّا، فما يأكله ويشربه ويُنفقه أهل غزة يأتي أكثره عن طريق هؤلاء، فالعيش بدون هؤلاء صعب جدًا على أهالي غزة، والعيش في ظلهم أصعب، نسأل الله أن يحفظ المسلمين في فلسطين من كيد ومكر هؤلاء.

أخ: لم تبيّن لنا موقفك من حماس إلى الآن يا شيخ.

الشيخ: حماس لها أخطاء كثيرة، وبعض هذه الأخطاء خطيرة خاصة في الآونة الأخيرة، وعليهم أن يتداركوا الأمر قبل فوات الأوان، وأن لا يتمادوا في بعض هذه الأمور لأن الله يُمهل ولا يُهمل، وموقفهم السلبي من بعض أهل الجهاد ليس في صالحهم، وسيكون لهذا أثر سلبي عليهم في المدى القريب قبل البعيد، ويجب أن يعرف قادة حماس أن المخابرات المصرية تلعب بهم، ولا ينبغي لهم الركون إلى المجاراة والمداراة، فهؤلاء يعملون على التفريق بينهم وبين المجاهدين، ومن ثم إسقاط حماس في أعين الناس، وبعدها تذهب حماس أدراج الرياح ليأتوا بعباس وفتح ثانية إلى غزة. وهذا الأمر أوضح من الوضوح ذاته. والظاهر أن حماس لا تدرك مدى الشعبية التي يتمتع بها المجاهدون في العالم الإسلامي، ويظنون أنه يسعهم مخالفتهم بهذه الصورة ورميهم بشتى التهم، تلك التهم التي بات يخجل منها حتى رؤساء الدول المحاربة. على حماس أن تراجع الكثير من سياساتها إن أرادت البقاء.

أخ: لعلك توضح هذه النقطة أكثر يا شيخ!

الشيخ: القوة الحقيقية لأي أمة تكمن في العامة، وأكثر العامة اليوم مع أهل الجهاد في أفغانستان والعراق لأنهم مرغوا أنف أمريكا في التراب، وأكثر العامة يحبون أسامة حفظه الله، وهذه حقيقة لا ينكرها إلا مكابر أو جاهل. حماس قتلت من ادعى الإنتساب إلى المجاهدين وطالب بتحكيم الشريعة، وهذه المطالبة غاية في الحساسية عند كثير من الناس. بهذا تخسر حماس تعاطف عامة المسلمين، وبهذا يستطيع الحكام التخلي عن حماس لضعف شعبيتها فلا حاجة لمسرحية إظهار نصرتهم لها، فإذا توقفت المساعدات وانعدم الدعم الشعبي من عامة الأمة وخاصتها (ونقصد بالخاصة هنا: المجاهدين الذين اكتسحوا الساحة الإسلامية) تبقى حماس بمفردها في الساحة، وهي لا تستطيع الوقوف بمفردها لفترة طويلة، وستضطر للإذعان لشروط فتح أو ليهود، وسيتخلى عنها الرافضة لأنها ورقة خاسرة. نسأل الله أن لا يحدث هذا وأن يعود المسلمون إلى رشدهم.

أخ: هناك من يقول بأن الشباب في المسجد صنيعة عباس وفتح!

الشيخ: هؤلاء يجب أن يتقوا الله فيما يقولون، فالله سبحانه أخبرنا بأنه يدافع عن الذين آمنوا، فمثل هذا لا يضر إلا نفسه، والله المنتقم.

الأخ: ألا نرد على هؤلاء؟

الشيخ: بماذا ترد!

الأخ: ببيان الحق.

الشيخ: هذه نقطة مهمة فانتبهوا لها: في مثل هذه الأحداث يضيع الحق بين اللغط، ويغيب العقل تحت ركام السخط،، والناس لا يريدون سماع قول مخالف في الرأي، وهذا من الطرفين، فالكل مشحون، ووربما ترون وتسمعون كلامًا لم تكونوا تسمعونه من قبل، وهذا يحدث حتى مع أعقل الناس في مثل هذه الظروف، وقد حصل هذا في عهد الفتنة التي كانت بين الصحابة: علا صوت الباطل واللغط على صوت الحق حتى تقاتل علي وطلحة والزبير وهم أعقل الناس، واللغط جاء من غيرهم، وهؤلاء كلهم مبشرون بالجنة! فالأمر في مثل هذه الظروف أكبر مما تتصورون، والأعداء مندسين بيننا يذكون نار الفتنة، وربما إذا نشرتم كلامي هذا ستجدون الإنتقادات من الجانبين، وربما قال فينا اليوم من أحسن الظن بنا بالأمس.

أخ: أنا قرأت بعض البيانات التي تطالب المشايخ بعدم الخوض في مسألة التهدئة أو الحوار وأن الموقف لا يسع إلا لأخذ الثأر من حماس.

الشيخ: هذا يُقال في ساعة الغضب، ولا أدري كيف يقال مثل هذا في غزة! إذا أخذ هؤلاء الثأر وقتلوا بعض قادة حماس، ثم ثار القساميون وقتلوا هؤلاء، وهكذا تدور عجلة الثأر ولا تتوقف، هذا كله ليس في صالح المسلمين، ولو كان الأمر بقتل واحد أو اثنين وينتهي الأمر، لهان، ولكن المسألة أكبر من ذلك. غزة مدينة صغيرة يحاصرها اليهود والحكومة المصرية، فكيف تتحمل مثل هذه الفوضى!

أخ: أنت لم تغضب يا شيخ؟

الشيخ: ومن لا يغضب في مثل هذا الموقف؟ يُقتل المسلمون ويسْلم اليهود ولا نغضب!

طيّب: لماذا لا تكتب عن الموضوع يا شيخ؟

الشيخ: ربما لأني في حالة غضب، وأنا أعلم أن الناس في حالة غضب. وربما يكفي هذا اللقاء.

الأخ: والله احترنا يا شيخ، يعني لا نقول ولا نتكلم ولا نفعل شيء؟

الشيخ: أنا لم أقل هذا، النبي صلى الله عليه وسلم أوصانا"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت"، إن كنت ستقول أو تفعل شيئًا يفيد الإسلام والمسلمين فلا تتردد، وإن كان غير ذلك فالسكوت أحسن لك ولغيرك.

الشيخ يسأل: ما رأيكم أنتم في الأحداث؟

أخ: نحن مع الإخوة في المسجد، وحماس ليس لها احترام بعد اليوم.

الشيخ: كلكم على هذا الرأي!

الإخوة سكتوا.

الشيخ: على كل حال، ننتظر ما يقول القادة، وعندها يكون الرأي أقرب للصواب إن شاء الله لأنه في الغالب يكون عند القادة فضل علم عن الجبهات ليس عند غيرهم. وأنا أدعوا الإخوة جميعًا -قادة وأتباعًا- أن يتقوا الله ويقدموا مصلحة الأمة على كل مصلحة، وأن يدرؤوا الفتنة عن الأمة، وأن يحقنوا دماء المسلمين، وأن يتعاملوا مع الموقف بحكمة، وأن لا يشمتوا فينا الأعداء الذين بدؤوا بالهمز واللمز عن طريق قنواتهم الفضائية والصحف والمواقع الإلكترونية، حتى فتح الأنجاس تكلموا وخاضوا في الأمر. إن الأمر ليس أمر جماعة أو فرقة، بل هو الدين والأمة، ولو وضع الناس هذا نصب أعينهم لتغيّرت الكثير من المواقف.

إلى هنا انتهى النقل عن اللقاء، وبعدها دعى الشيخ طويلًا للمسلمين في فلسطين عامة وفي غزة خاصة، وأوصى الشباب بالتعقل والصبر. ولا أخفي عليكم بأن الشيخ كان مستاء جدًا وكأنه فقد فلذات كبده في الحادثة، وكأني أنظر إلى دموعه وهو يحاول إخفائها خلف حدقتي عينيه. وكان يُكثر في الجلسة من قول"إنا لله وإنا إليه راجعون".

أخوكم: رووووح

24 شعبان 1430هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت