مِن أَعظَمِ الآياتِ، ولذلكَ أَقسَمَ بهِ في قولِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} [1] . ويُقالُ: فَلَقَ الصُّبحَ وَفَرَق الصُّبحَ، وقد قالَ عَزَّ وَجَلَّ: {فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ} [2] فأَتَى بمادَّةِ (فَلَقَ) و (فَرَقَ) فَهُما بِمَعنًى.
قَوُلُهُ تَعالَى: {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} هذا عامٌّ يَتَناوَلُ كلَّ ما سِوى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، لأنَّهُ خَلَقَهُ.
قَوُلُهُ تَعالَى: {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} هوَ مِن بابِ عَطفِ الخاصِّ على العامِّ؛ لأنَّ (الغاسِقَ) و (النَّفَّاثَاتِ) و (الحاسِدَ) مِن جُملةِ ما خَلَقَ الله عَزَّ وَجَلَّ. وإنَّما اُختُصَّت هذهِ بالذِّكرِ بعدَ العُمومِ؛ لأنَّ مُتَعَلِّقاتِها مُهِمَّةٌ جِدًّا، وذلكَ لأنَّ قوامَ الإنسانِ بَدَنُهُ وعَقلُهُ ودينُهُ وباقِي نِعَمِ الله عَزَّ وَجَلَّ عليهِ.
و (الغاسِقُ إِذا وَقَبَ) :
1 ـ قيلَ: هو الثُّعبانُ إذا وثبَ وضربَ، وهو يُفسدُ البدنَ.
2 ـ[وإِنْ قيلَ: إِنَّ (الغاسِقَ) هوَ القمرُ، فإنَّ لهُ - فيما يُقالُ - تأثيرًا في الأجسامِ الأرضيّةِ؛ كتقطيعِ الثِّيابِ الكَتَّانِ، وتمديدِ الزُّروعِ، ودورانِ المدِّ والجزرِ معَهُ في بعضِ البحارِ، فلعّلَّ لهُ تأثيراتٌ أخرى فيها شُرورٌ.
3 ـ وإنْ قيلَ: إنَّ (الغاسِقَ) هوَ الفَرجُ - على ما قيلَ - فشرُّهُ ظاهِرٌ، وأكثرُ شرورِ العالمِ مِن جِهَتِهِ.
4 ـ وإنْ قيلَ: هوَ الليلُ، فإنَّ الشَّرَّ فيهِ ظاهرٌ مُزعِجٌ:
? وأما ظهورُهُ: فلانتِشارِ الهوامِّ والشَّياطينَ فيهِ مِنَ الجِنِّ والإنسِ وغيرِ ذلكَ.
? وأما إِزعاجُهُ: فلأَنَّهُ يُلْقِي الإِنسانَ نائِمًا أَوْ ساكِنًا فَيَكونُ لهُ مِن الرَّوْعِ [3] ما لَيسَ في النَّهارِ] [4] .
(1) سُورَةُ التَّكويرِ: 18.
(2) سُورَةُ الشُّعَراء: 63.
(3) في ط: الوَرَعِ. ولعلَّ المُثبَت هو الأَنسَبُ؛ وهو الخوف. ولا نَسَى أنَّه يتكَلَّم عن شَرِّ الليلِ، والوَرَعُ منه بعيد.
(4) ذُكِرَت هذهِ الجُملَةِ بَعد تفسيرِ (الحاسِدِ) ومكَانُها هنا أليَق.