أي كائن بشري يملك القدرة على توظيف كل إمكانات عقله". لذلك يجب أن نقبل بالحقيقة المطلقة التي يزيد إثباتها يومًا بعد يوم، أن لا حدود لطاقات العقل البشري ولانهاية معروفة له حتى الآن."
فإذا ما أقرَرْنا بهذه الحقيقة، فنحن من أغنى دول العالم، إذا ما ضربنا عدد الرؤوس بملايين الأصفار، وضربنا ذلك بالثروات الطبيعية التي تحت أقدامنا، والتاريخ الحضاري الذي وراء ظهورنا، ولكننا أضعنا مفتاح العقل وزرعنا الطريق بالشوك، وعزاؤنا أن العقل نفسه قادرٌ على العثور على المفاتيح وتعبيد الطريق، والتقدم نحو الازدهار.
من عِبَر التاريخ أن يشهد القرن الثالث عشر الميلادي التحولات الكبرى في العالم, التي نعيش تبعاتها حتى الآن، ففي أوربا شهد مخاض ميلاد عصر النهضة والعلم الحديث, وبالوقت نفسه ذبول وهج العلم والازدهار في العالم العربي والإسلامي ودخوله في عصور الانحطاط. ففي عام 1257 تأسست جامعة السربون في باريس، وما زالت تشمخ بعراقتها وبرُيقها العالمي حتى اليوم, ناهيك عن تفريخها لعشرات الجامعات الفرنسية، أما كمبردج فقد ولدت عام 1284 وما زالت تزهو بقوتها وخريجيها وأبحاثها ومنشوراتها التي تغزو كل أصقاع العالم.
هذا القرن العجيب شهد في العالم العربي والإسلامي ضعف الدولة المركزية في بغداد, وقيام حركات انفصالية في جناحيه المشرقي والمغربي، وسقطت بغداد على أيدي المغول، واشتدت الحملات الصليبية، ومن غرائب مصادفات التاريخ أن المغول قد أحرقوا مكتبة"بيت الحكمة"في بغداد عام 1258، وسقطت الخلافة العباسية عمليًا عندما قَتَل هولاكو أخر خلفائها المعتصم في العام نفسه، وتوقف تقدم العرب في أوربا على يد فيرديناند الثالث عام 1236.
العبرة من هذه المقارنة هي أن المشكلة مع الحضارة الغربية مازالت تزدهر منذ نحو ثمانية قرون متواصلة دون انقطاع أو تراخ، وأن حضارتنا العربية الحديثة التي بدأت منذ نحو مئة عام مع محمد عبده والكواكبي وقاسم أمين، .... لم يقو عودها بعد. فالطموحات الكبرى لم يتحقق منها شيء يستحق التفاخر به؛ فالسياسة متعثرة، ومخرجات التعليم لا تلبي حاجات المجتمع، والمساهمات العلمية لا تستحق الذكر، والاقتصاد والتجارة يعتمد بشكل أساسي على الموارد الطبيعية (زراعة، بترول، .... ) . ماذا نفعل حيال ذلك، أمامنا ثلاثة خيارات:
الأول: تقليد الغرب، وذلك باستعارة المعرفة والخبرة الغربيتين وتقليدهما، علّنا نسير على ما سار عليه وأن يحدث لنا ما حدث له؟
الثاني: الاستثمار في مخزوننا من رأس المال الفكري، إيقاظ دافعية الإنسان للتحدي والعمل، والإيمان بقدراته لإنجاز الأهداف الكبرى من خلال التفكير بطريقة علمية منهجية إبداعية لمواجهة مشكلاتنا، والبحث عن حلول من صنع عقولنا وأيدينا, ولم لا؟