ولقد كان حجم الأوقاف يمر بفترات مد وجزر، وفق الظروف السياسية والاقتصادية لكل عصر من عصور الأمة الإسلامية، ولعل مما ساعد على التوسع فيه بشكل عام سهولة تنفيذه، فالوقف التزام من جانب واحد فلا يحتاج فيه إلى قبول إذا كان الموقوف عليه جهة من الجهات الخيرية، فالوقف من العقود التي تبرم بإرادة منفردة دون أن يشترط لصحته وجود إرادتين (21) ، وهذا اليسر في إنفاذه أدى ـ ولاشك ـ إلى كثرة الأوقاف وقبل ذلك اهتمام المسلم بالعمل الخيري ورغبته فيما عند اللَّه واستشعارًا منه بهموم الآخرين وحرصه على تخفيف المعاناة عن إخوانه المسلمين ونفعهم، يحدوه في ذلك قول الرسول (: ( أحب الناس إلى اللَّه تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى اللَّه عز وجل سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة... ((22) .
والواقع يدل على أن هناك تناسب طردي بين تحسن الأحوال المادية إثر الفتوحات وبين ازدياد الأوقاف، فلقد كثرت الأوقاف في العصر الأموي كثرة عظيمة في عدد من بلدان العالم الإسلامي، وفي البلاد المفتوحة بسبب ما أغدقه الفتح على المجاهدين، فتوافرت لديهم الأموال، وتوافرت لديهم الدور، والحوانيت، كما امتلك الكثيرون المزارع والحدائق في منابت الصحراء العربية... (( وفي عصر الأيوبيين والمماليك كثرت الأحباس كثرة فاحشة واتسع نطاقها لدرجة أنه صار للأوقاف ثلاثة دواوين: ديوان لأحباس المساجد، وديوان لأحباس الحرمين الشريفين، وديوان للأوقاف الأهلية ) ) (23) .