الصفحة 33 من 45

ولعل فيما ذكر في المباحث السابقة ما يوضح الأثر الكبير المتوقع من الوقف في مجال الرعاية الاجتماعية، وليس ذلك بغريب، فإن المتأمل في تاريخ الأمة ليجزم وبقوة أن الرعاية الاجتماعية في المجتمع المسلم طوال القرون الماضية لم توجد إلا عن طريق الوقف، ويندر أن تكون الدول المتعاقبة قد أسهمت بشيء من هذا، ذلك أن الدولة كانت تعد هذه الخدمات الحيوية والأساسية من وجوه البر، ولم تر أن أي من هذه الوجوه تدخل ضمن رسالتها (79) .

وفي عصرنا الحالي، ورغم وجود مفهوم الدولة القائم بشكله المعاصر، وقيامها بكثير من الخدمات الاجتماعية التي كانت تقوم بها الأوقاف سابقًا، إلا أن الظروف المالية للدول توجب إعطاء الوقف دوره الحقيقي في المساهمة في جوانب الرعاية الاجتماعية، وهذه المشاركة من قبل أثرياء الأمة لا تعني تقليل الأعباء عن الحكومات بقدر ما تؤدي إلى ترسيخ قيم الانتماء في النفوس للمجتمع المسلم الكلي وجعل أفراد الأمة أكثر استعدادًا للمشاركة الفعالة في تبني هموم المجتمع وتقديم الحلول لمشاكله بقدر الاستطاعة والتخفف من الاتكالية الشائعة لدى الناس اعتمادًا على جهود الدولة، والدولة فقط.

وهذا الأمر ليس بدعًا من القول، فلقد كانت الأوقاف على مر التاريخ أحد الروافد الأساسية لبيت المال، يصرف ريعه على جهات البر المختلفة من مؤسسات دينية وصحية إلى جانب كثير من المنشآت التعليمية والصحية والمرافق العامة الأخرى، (( كما أن الأوقاف العديدة التي كانت في عز مجد الحضارة الإسلامية أتاحت للدولة التخفف من كثير من المسئوليات التي حملت هذه الأيام لميزانيات الدولة والتي أصبحت تستنفد معظم الدخل القومي في أنشطة غير منتجة ) ) (80) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت