فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 42

الله تعالى وبالعداوة، قالوا: إنّكم قد فرّغتم محمدًا من همّه، فرُدّوا عليه بناته فاشغلوه بهنّ. ومشوا إلى أبي العاص وقالوا له: فارق صاحبتك ونحن نزوّجك أيّ امرأة من قريش شئت. قال: لا والله، إنّي لا أفارق صاحبتي، وما أحبّ أنّ لي بامرأتي امرأة من قريش، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثني عليه في صهره خيرًا فيما بلغني .. )

يقول صاحب الفتح الربّاني في ترتيب مسند الإمام أحمد: (وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثني عليه - أي أبي العاص - في صهره فيما بلغني. قال الحافظ بن كثير في تاريخه: الحديث بذلك في الثناء عليه ثابت في الصحيح) .

يُفهم من جميع هذه الروايات أنّ زينب لم تكن تتعرّض عند زوجها أبي العاص لأيّ أذى أو ضرر أو فتنة، بل كانت مكرّمة محترمة.

3 -في غزوة بدر خرج زوجها مقاتلًا مع المشركين فأسره المسلمون، (فبعثت زينب في فدائه بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى بها، فلمّا رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رقّ لها رقّة شديدة وقال: إن أردتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردّوا عليها مالها فافعلوا. فقالوا: نعم يا رسول الله. فأطلقوه، وردّوا عليها الذي لها) [1] .

4 -قال ابن إسحق في سيرة ابن هشام: (وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أخذ عليه، أو وعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك، أن يخلي سبيل زينب إليه، أو كان فيما شرط عليه في إطلاقه، ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال الشيخ الجديع: هذا لم يثبت إسناده. غير أنّه بغضّ النظر عمّا إذا كان بوعد من أبي العاص للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - أو مجرّد رغبة من زينب بالهجرة، فإنّها خرجت من مكّة مهاجرة إلى أبيها بُعيد رجوع زوجها من الأسر فيما يبدو، وذكر تفصيل هجرتها حسب الروايات، وفيها أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسل زيد بن حارثة ليأتيه بزينب، وأرسل معه خاتمه، والتقى زيد راعيًا لأبي العاص يرعى غنمًا لزينب، فأعطاه الخاتم ليعطيه لزينب، فلمّا رأته خرجت حتّى وصلت إليه، وركبت وراءه حتّى أوصلها إلى المدينة، وكانت قد خرجت قبل ذلك ولكن أرجعها المشركون بالقوّة، وروّعها هبّار بن الأسود حتّى ألقت ما في بطنها.

يقول الشيخ الجديع عن هذه الروايات أنّها حديث حسن. وهذا قرينة واضحة على صحّة الروايات الأولى عن طلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أبي العاص إطلاق ابنته زينب، وعن وعد أبي العاص بذلك. وإلاّ فكيف يمكن أن نفهم أنّ خروج زينب إلى مكان معيّن، وإرسال زيد بن حارثة للمجيء بها، ولقاؤهما معًا في مكان محدّد، وركوبها معه، كلّ ذلك حصل بدون ترتيب مسبق.

إنّ رواية اشتراط الرسول على أبي العاص إخلاء سبيل زينب، ووعد أبي العاص بذلك، لو فرضنا أنّها غير مسندة، فإنّها تتقوّى بهذا الحديث الحسن. وتكون هذه القصّة دليلًا على أنّ زينب لم تهاجر بمجرّد رغبتها، وإنّما بطلب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. والرسول لم يطلب منها ذلك خوفًا عليها من فتنتها في دينها، لأنّ كلّ الروايات تشير إلى أنّ أبا العاص كان يكرمها ويحترمها، وكان نعم الصهر كما قال عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولم تكن آية البقرة أو آية الممتحنة قد نزلت بعد، ولعلّ هذا الطلب كان إرهاصًا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإشارة إلى حكم شرعي في هذا الموضوع سيتنزّل فيما بعد.

(1) 2 - ذكر الشيخ الجديع عن هذه الرواية أنّها حديث حسن أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني والبيهقي والحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت