الصفحة 85 من 85

الذي راعاه أحمد في الراوية المشهورة عن أصحابه؛ فإنه إذا كان لابد من رعاية حفظها وصيانتها، وأن للأب أن ينتزعها من الأم إذا لم تكن حافظة لها بلا ريب، فالأب أقدر على حفظها وصيانتها، وهي مميزة لا تحتاج في بدنها إلى أحد، والأب له من الهيبة والحرمة ما ليس للأم.

وأحمد وأصحابه إنما يقدمون الأب إذا لم يكن عليها في ذلك حرز، فلو قدر أن الأب عاجز عن حفظها وصيانتها، أو مهمل لحفظها وصيانتها، فإنه يقدم الأم في هذه الحالة.

فكل من قدمناه من الأبوين إنما نقدمه إذا حصل به مصلحتها، أو اندفعت به مفسدتها. فأما مع وجود فساد أمرها مع أحدهما فالآخر أولى بها بلا ريب، حتى الصغير إذا اختار أحد أبويه وقدمناه إنما نقدمه بشرط حصول مصلحته وزوال مفسدته.

فلو قدرنا أن الأب ديوث لا يصونه، والأم تصونه، لم نلتفت إلى اختيار الصبي، فإنه ضعيف العقل قد يختار أحدهما لكونه يوافق هواه الفاسد، ويكون الصبي قصده الفجور، ومعاشرة الفجار، وترك ما ينفعه من العلم والدين والأدب والصناعة، فيختار من أبويه من يحصل له معه ما يهواه، والآخر قد يرده ويصلحه، ومتى كان الأمر كذلك فلا ريب أنه لا يمكن من يفسد معه حاله.

والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) ، فمتى كان أحد الأبوين يأمره بذلك والآخر /لا يأمره كان عند الذي يأمره بذلك دون الآخر؛ لأن ذلك الآمر له هو المطيع لله ورسوله في تربيته، والآخر عاص لله ورسوله، فلا نقدم من يعصي الله فيه على من يطع الله فيه، بل يجب إذا كان أحد الأبوين يفعل معه ما أمر الله به ورسوله، ويترك ما حرم الله ورسوله، والآخر لا يفعل معه الواجب، أو يفعل معه الحرام، قدم من يفعل الواجب، ولو اختار الصبي غيره، بل ذلك العاصي لا ولاية له عليه بحال، بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولاية له عليه، بل إما ترفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب، وإما أن نضم إليه من يقوم معه بالواجب، فإذا كان مع حصوله عند أحد الأبوين لا تحصل طاعة الله ورسوله في حقه، ومع حصوله عند الآخر تحصل، قدم الأول قطعًا.

وليس هذا الحق من جنس الميراث الذي يحصل بالرحم والنكاح والولاية إن كان الوارث حاجزًا أو عاجزًا، بل هو من جنس الولاية ـ ولاية النكاح والمال التي لابد فيها من القدرة على الواجب وفعله بحسب الإمكان ـ وإذا قدر أن الأب تزوج ضرة، وهي تترك عند ضرة أمها، لا تعمل مصلحتها، بل تؤذيها أو تقصر في مصلحتها، وأمها تعمل مصلحتها ولا تؤذيها، فالحضانة هنا للأم. ولو قدر أن التخيير مشروع، وأنها اختارت الأم فكيف إذا لم يكن كذلك.

ومما ينبغي أن يعلم أن الشارع ليس له نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقًا، والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقًا، بل مع العدوان والتفريط لا يقدم من يكون كذلك على البر العادل الحسن القائم بالواجب. والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت